أشد الناس عداوة 2

باقى مقال اشد الناس عداوة بقلم الدكتور / مصطفى محمود

ولاحظ لهم في هذا الجانب الغيبي بحكم تعلقهم بالمحسوس والملموس والواقعي‏..‏ وكلما غرقوا في هذا الملموس والمحسوس كلما ابتعدوا عن الدين وغيبياته وكلما امتلكتهم الدنيا بزخرفها واسعبدتهم بوعودها وخلبتهم ببريقها‏..‏
وللدنيا عشاق بالفطره‏..‏ وهكذا ولدوا‏..‏
وللغيب عشاق بالفطره‏..‏ وهكذا ولدوا‏..‏
وكان هذا العشق من كل منا اختيارا منذ الازل‏..‏

لم يكرهنا ربنا علي شيئ ولم يخلقنا علي فطره مضاده لمزاجنا الاصلي‏..‏ بل خلقنا علي وفق اختيارنا‏..‏ الذي احب الدنيا خلقه للدنيا واعطاه الدنيا‏..‏ والذي شغف بالاخره خلقه للاخره وهياه للاخره‏..‏ يقول الشيخ الاكبر ابن عربي في التفاته ملهمه‏..‏ ان الله يقول لاهل النار في الاخره‏..‏ ماحكمنا عليكم ولكن هكذا كنتم‏..‏ اي انكم كنتم من الازل من اهل النار بحكم اختياركم فما اكرهناكم علي شيئ بل يسرنا لكل منكم اختياره‏..‏ يسرناكم للعسري لانكم اخترتموها من البدايه‏..‏ ولو اخترتم اليسري ليسرناكم لها‏..‏ ولكن هواكم كان في هذه المشقه من اول الامر‏..‏

وهذا المشهد القديم في الازل لايصل اليه الا العارفون الاكابر من امثال ابن عربي‏.‏
وتقوم فلسفه ابن عربي كلها علي هذا الاساس‏..‏ علي اساس ان الانسان حر مختار ومسئول عن اختياره وان قضائ الله عدل كله‏..‏
وقد اختار الله لكل منا الجسم والصلاحيات الجسمانيه التي تلائم نفسه وهواياته‏..‏ وكان هذا شانه تعالي مع كل مخلوق‏,‏ فخلق ابليس من نار لان النار تلائم الكبر والعلو‏(‏ النار كلما اشتعلت تعلو وترتفع‏)‏ وفي النار الحراره والاندفاع والحده التي في الشيطان‏..‏ وخلق للمغني عاشق الغنائ الحنجره التي تطاوع مهاراته‏..‏ ولهاوي الرياضه العضلات التي تلائم رياضاته‏..‏
كان هناك دائما ذلك التطابق المذهل بين الجسم والوظائف المنتظره منه في اطار الانشطه التي سوف يختارها صاحب هذا الجسم‏..‏ ولم يكن هذا التطابق مصادفه‏,‏ بل تقديرا وتدبيرا مقصودا من الخالق جل شانه‏..‏ وهذه صوره اخري من صور العدل في التمكين والعدل في التيسير مصداقا للحديث النبوي‏:‏ اعملوا فكل ميسر لما خلق له‏..‏
هل اي واحد منا له حنجره مغني الاوبرا؟؟

استحاله‏..‏ وانما هي خلق خاص اختص الله به امثال دومنجو وبافاروتي‏..‏ لان الله قد علم ان كلا منهما قد اختار لنفسه هذا الغنائ الاوبرالي الذي سوف يحتاج الي هذه الضخامه في الصوت والرنين المدوي في الصدي‏..‏ ومثل هذا الادائ سوف يحتاج الي تجويف صدري ضخم مثل الطبله ليكون هذا الرنين المدوي‏..‏ وهذه الفحوله في الصوت‏..‏ هي الموهبه الخارقه التي سوف يصفق لها الملايين‏..‏ ان كل مرحله في الخلق تمت بتدبير وعلم وحكمه‏..‏ ومواهبنا كانت اختيارات لنا من البدايه يسرها الله بكرمه وحكمته‏..‏
لقد ابدع الله خطه خاصه لكل مخلوق خلقه تطابق الوظائف التي سوف يختارها هذا المخلوق لنفسه‏..‏ فهو خلق علي مقتضي علم سابق وعلي مقتضي عدل كامل وتدبير محكم لا مكان فيه لاي مصادفه او عشوائيه‏..‏ وهو خلق علي مقتضي الصوره الباطنيه للنفس‏..‏ تكامل مذهل لايملك الانسان الا ان يهتف مسبحا‏..‏ تعاليت ياربنا وتقدست‏..‏
هذا الحوت الذي يتهادي سابحا في الاعماق‏..‏ وقد خلقه الله في هيئه اشبه بالغواصه وصوره في صوره انسيابيه مذهله ليطابق مقتضيات وظيفته‏!!‏
وهذا النسر وهذا الصقر‏..‏ وهذا النمر‏..‏ وهذا الاسد‏..‏ وهذا الفيل‏..‏ وهذا الديناصور‏..‏
وهذا المتحف الطبيعي البديع المذهل الذي لاتتكرر فيه الصوره الواحده مرتين‏..‏ وانما انت حيثما وجهت نظرك رايت ابداعا متصلا يفوق الخيال‏..‏
كيف تتصور بعد كل هذا ان الله سوف يضيعك وانت ارفع مخلوقاته واعظم مصنوعاته شانا‏..‏ وانت المستخلف منه علي رعايه كل هذا؟‏!‏
كيف تتصور ان يفلت ظالم بجريمته؟
كيف تتصور ان يفلت مذنب دون عقاب؟
وكيف تتصور ان يتساوي عند الله محسن ومسيئ؟
وكيف يمكن ان يذهب كل هذا الخلق والابداع هبائ؟
بل اكاد اري في هذا الخلق قرانا اخر‏..‏

واكاد اطالع كلما وجهت بصري ايات وسورا كامله ونماذج من الاعجاز والاتقان‏..‏ واعلم الان علم اليقين ان الله لن يضيعنا‏..‏
واننا سوف ندخل القدس كما دخلناها اول مره كما قال ربنا‏..‏
لاتسالوني كيف؟‏..‏
انظروا حولكم وانظروا داخل نفوسكم‏..‏ وانظروا في هذا المتحف المذهل‏..‏ تاملوا هذا الاعجاز وستعلمون كيف‏..‏
انظروا في السموات السبع فوقكم وفي النجوم بلا عدد وبعضها اكبر من شمسنا بملايين المرات‏..‏ وفي المجرات المعلقه في الفضائ تسبح في مداراتها منذ اباد من الزمن قبل ادم‏..‏
هذا الملك الممتد في الزمان والمكان بلا حدود‏..‏ فماذا يكون شان المالك الذي يدبر كل هذا؟‏!!‏
ايعجز مثل هذا المالك ان يقيم العدل في مملكته وان يستاصل الشر وان يعيد كفه الميزان الي استوائها؟‏!‏
ما لكم كيف تحكمون‏..‏؟
ان ساعه اليد في معصمك لاتخطيئ‏..‏
فكيف يجوز الخطا علي صانع الموازين والمواقيت كلها‏,‏ وعلي مالك الاكوان الذي خلق الزمن الكوني كله؟‏!‏
لقد وعدنا الله ياساده ولن يخلف الله وعده‏..‏
ولا تسالوني كيف‏..‏
ولا تسالوني متي‏..‏ فان غدا لناظره قريب‏..‏
واني لواثق من ربي ثقتي بوجودي واكبر‏..‏

0 التعليقات

إرسال تعليق