الحب لا... الرحمة نعم

نعود مرة اخرى الى نشر اعمال الباقى بعلمه وعمله المغفور له باذن الله الدكتور مصطفى محمود , سطور تنير الاذهان وترتقى بالافكار الى اعلى مستوى من الفكر الانسانى و الاسلامى المتحضر ............ فالى من لايعرف او لم يقرا اعمال الدكتور هذه عينة بسيطة لبعض الكلمات بكتاب عصر القردة :

بالرغم من قيمة مشاعر الحب عندي و عندكم معاشر القراء و القارئات ، و بالرغم من أن الحب يكاد يكون صنم هذا العصر الذي يُحرق له البخور ، و يُقدم له الشباب القرابين من دمائهم ، و يُقدم له الشيوخ القرابين من سمعتهم ، و تُرتل له الأناشيد ، و يُزمر له الزامر ، و يُطبل الطبال ، و ترقص الراقصة ، و تعمل بلاتوهات السينما و ستوديوهات التليفزيون ، و كباريهات شارع الهرم ليل نهار لتمجيده و رفعه على العرش ، ليكون المعبود الأول و المقصود الأول ، و الشاغل الأوحد و الهدف الأوحد و الغاية المثلى للحياة التي بدونها لا تكون الحياة حياة ।

و بالرغم من أننا جميعا جناة أو ضحايا لهذا الحب ، و ليس فينا إلا من أصابه جرح أو سهم أو حرق ، أو أصاب غيره بجرح أو سهم أو حرق ।بالرغم من هذه الأهمية القصوى ، و الصدارة المطلقة لموضوع الحب في هذا الزمان ، فإني أستأذنكم في إعادة نظر و في وقفة تأمل ، و في محاولة فهم لهذا التيه الذي نتيه فيه جميعا شيوخا و شبابا و صبايا

و أسأل نفسي أولا و أسألكم :هل تعلمون لماذا يرتبط الحب دائما بالألم ، و لماذا ينتهي بالدموع و خيبة الآمال ؟

دعوني أحاول الإجابة فأقول : إن الحب و الرغبة قرينان ॥ و إنه لا يمكن أن تحب امرأة دون أن ترغبها ، و لهذا ما تلبث نسمات الحب الرفافة الحنون أن تمازج الدم و اللحم ، و الجبلة البشرية فتتحول إلى ريح و إعصار و زوبعة ، حيث ينصهر اللحم و العظم في أتون من الشهوة العارمة ، و اللذة الوقتية التي ما تكاد تشتعل حتى تنطفئ

هل أقول إن الحب يتضمن قسوة خفية ، و عدوانا مستترا ؟।نعم هو كذلك إذا اصطبغ بالشهوة ، و هو لابد أن يتلون بالشهوة بحكم البشرية .و المرأة التي تشعر أن الرجل استولى على روحها ، تحاول هي الأخرى أن تنزع روحه و تستولي عليها ॥ و في ذلك عدوان خفي متبادل، و إن كان يأخذ شكل الحب

و المرة الوحيدة التي جاء فيها ذكر الحب في القرآن هي قصة امرأة العزيز التي شغفها فتاها ( يوسف ) حبّا।فماذا فعلت امرأة العزيز حينما تعفف يوسف الصدّيق؟ و ماذا فعلت حينما دخل عليهما الزوج؟ لقد طالبت بإيداع يوسف السجن و تعذيبه.(( قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) )) ( يوسف )و ماذا قالت لصاحباتها و هي تروي قصة حبها؟(( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) )) ( يوسف )إن عنف حبها اقترن عندها بالقسوة و السجن و التعذيب

و ماذا قال يوسف الصدّيق؟(( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (33) )) ( يوسف )لأنه أدرك ببصيرته أن الحب سجن، و أن الشهوة قيد إذا استسلم له الرجل أطبق على عنقه حتى الموت॥ و رأى أن مكثه في السجن عدة سنوات، أرحم من الخضوع للشهوة التي هي سجن مؤبد إلى آخر الحياة

إن الحب لا يظل حبا صافيا رفافا شفافا، و إنما ما يلبث بحكم الجبلة البشرية أن يصبح جزءا من ثالوث هو: الحب و الجنس و القسوة، و هو ثالوث متلاحم يقترن بعضه ببعض على الدوام।و لأن قصة الحب التي خالطتها الشهوة ما تلبث أن تنتهي إلى الإشباع في دقائق، ثم بعد ذلك يأتي التعب و الملل و الرغبة عند الإثنين في تغيير الطبق، و تجديد الصنف لإشعال الشهوة و الفضول من جديد॥ لهذا ما يلبث أن يتداعى الحب إلى شك في كل طرف من غدر الطرف الآخر.. و هذا بدوره يؤدي إلى مزيد من الارتياب و التربص و القسوة و الغيرة، و هكذا يتحول الحب إلى تعاسة و آلام و دموع و تجريح

و الحب لا يكاد ينفك أبدا عن هذا الثالوث॥ (( الحب و الجنس و القسوة )).. و هو لهذا مقضى عليه بالإحباط و خيبة الأمل، و محكوم عليه بالتقلب من الضد إلى الضد، و من النقيض إلى النقيض.. فيرتد الحب عداوة و ينقلب كراهية و تنتحر العواطف كل يوم مائة مرة.. و ذلك هو عين العذاب

و لهذا لا يصلح هذا الثالوث أن يكون أساسا لزواج॥ و لا يصلح لبناء البيوت، و لا يصلح لإقامة الوشائج الثابتة بين الجنسين

و من دلائل عظمة القرآن و إعجازه أنه حينما ذكر الزواج، لم يذكر الحب و إنما ذكر المودة و الرحمة و السكن।سكن النفوس بعضها إلى بعض.و راحة النفوس بعضها إلى بعض.و قيام الرحمة و ليس الحب॥ و المودة و ليس الشهوة.(( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً )) ( الروم – 21 )إنها الرحمة و المودة.. مفتاح البيوت

و الرحمة تحتوي على الحب بالضرورة॥ و الحب لا يشتمل على الرحمة، بل يكاد بالشهوة أن ينقلب عدوانا।و الرحمة أعمق من الحب و أصفى و أطهر.و الرحمة عاطفة إنسانية راقية مركبة، ففيها الحب، و فيها التضحية، و فيها إنكار الذات، و فيها التسامح، و فيها العطف، و فيها العفو، و فيها الكرم.و كلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية.و قليل منا هم القادرون على الرحمة.و بين ألف حبيبة هناك واحدة يمكن أن ترحم، و الباقي طالبات هوى و نشوة و لذة

و كلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية।و قليل منا هم القادرون على الرحمة.و بين ألف حبيبة هناك واحدة يمكن أن ترحم، و الباقي طالبات هوى و نشوة و لذة.و لذلك جاء كتاب الحكمة الأزلية الذي تنزل علينا من الحق॥ يذكرنا عند الزواج بالرحمة و المودة و السكن.. و لم يذكر كلمة واحدة عن الحب، محطما بذلك صنم العصر و معبوده الأول، كما حطم أصنام الكعبة من قديم.و الذين خبروا الحياة و باشروا حلوها و مرّها، و تمرسوا بالنساء يعرفون مدى عمق و أصالة و صدق هذه الكلمات المنزلة.و ليس في هذه الكلمات مصادرة للحب، أو إلغاء للشهوة و إنما هي توكيد، و بيان بأن ممارسة الحب و الشهوة بدون إطار من الرحمة و المودة و الشرعية هو عبث لابد أن ينتهي إلى الإحباط

و الحيوانات تمارس الحب و الشهوة و تتبادل الغزل।و إنما الإنسان وحده هو الذي امتاز بهذا الإطار من المودة و الرحمة و الرأفة، لأنه هو وحده الذي استطاع أن يستعلي على شهواته؛ فيصوم و هو جائع و يتعفف و هو مشتاق.و الرحمة ليست ضعفا و إنما هي غاية القوة، لأنها استعلاء على الحيوانية و البهيمية و الظلمة الشهوانية.الرحمة هي النور و الشهوة هي النار.و أهل الرحمة هم أهل النور و الصفاء و البهاء، و هم الوجهاء حقا

و القسوة جبن و الرحمة شجاعة।و لا يؤتى الرحمة إلا كل شجاع كريم نبيل.و لا يشتغل بالانتقام و التنكيل إلا أهل الصغار و الخسة و الوضاعة.و الرحمة هي خاتم الجنة على جباه السعداء الموعودين من أهل الأرض॥ تعرفهم بسيماهم و سمتهم و وضاءتهم

و علامة الرحيم هي الهدوء و السكينة و السماحة، و رحابة الصدر، و الحلم و الوداعة و الصبر و التريث، و مراجعة النفس قبل الاندفاع في ردود الأفعال، و عدم التهالك على الحظوظ العاجلة و المنافع الشخصية، و التنزه عن الغل و ضبط الشهوة، و طول التفكير و حب الصمت و الائتناس بالخلوة و عدم الوحشة من التوحد، لأن الرحيم له من داخله نور يؤنسه، و لأنه في حوار دائم مع الحق، و في بسطة دائمة مع الخلق

و الرحماء قليلون، و هم أركان الدنيا و أوتادها التي يحفظ بها الله الأرض و من عليها।و لا تقوم القيامة إلا حينما تنفد الرحمة من القلوب، و يتفشى الغلّ، و تسود المادية الغليظة، و تنفرد الشهوات بمصير الناس، فينهار بنيان الأرض و تتهدم هياكلها من القواعد.اللهم إني أسألك رحمة॥اللهم إني أسألك مودة تدوم..اللهم إني أسألك سكنا عطوفا و قلبا طيبا..اللهم لا رحمة إلا بك و منك و إليك
........................................................................................................................
يارب هذه بعض كتابته تشهد بانه داوم على سؤالك الرحمة وانه كان عبدا صالح يتصدى لما كان يخشاه غيره فالله مارحمه واسكنه فسيح جناتك

2 التعليقات:

  1. الفارس29/12/09 19:29

    ربنا يبارك لك يا باشا على العمل الجميل ده وتفضل فى المقدمة على طول



    اول تعليق ليا فى الموقع

    ردحذف
  2. الفارس3/1/10 14:59

    ميروك على المركز الثالث

    وعقبال المركز الاول


    الفارس 2

    ردحذف