عبور نجيب محفوظ


جائزة نوبل لنجيب محفوظ هى ثمرة عبور معجز الى العالمية حققه الكاتب الكبير بالمثابرة والدأب والإخلاص والتفانى بطول مشوار وعلى إمتداد  حياة ثثير الإحترام والإعجاب

ونجيب محفوظ هو بحق عاصمة الأدب فى العالم العربى وهو الميناء الرئيسى الذى تمر به كل سفن الأدب الصغيرة لتتمون قبل الإبحار

وهو الفاتيكان والبابوية والمشيخة ودار الإفتاء والعمودية الأدبية ..
وهو الوحدة المستحيلة التى حقق بها الأدب ما عجز عنه دعاة السياسة .. حيث التقت عليه كل الفرق المتنازعة – وارتضاء الكاثوليك والارثوذكس
والكرملين .. والسادة الشاذلية
ولقد أصاب الرجل حينما أجاب قائلا عن مستقبل الأدب فى مصر أنه لا أزمة فى الأدب ولن يتوقف عطاء مصر من العبقريات وأن الأديب الجيد موجود وسيظل موجودا ولكن الأزمة فى القراء وفى الجمهور المتلقى

وأمسك الرجل عن ذكر السبب بحيائه المعهود
والسبب واضح هو نكية التعليم فى بلدنا والدعوى الكاذبة بأنه يمكن تعليم عشرة ملايين مواطن فى جيمع مراحل التعليم بالمجان وبدون ميزانية .. سوى الهتاف والقروض ..

وهى دعوى أطلقها رجل ليكسب الشارع ويستدر التصفيق ويسجل لنفسه  كسبا شعبيا فجر على بلده أكبر خسارة شعبية عرفتها مصر
والخسارة مستمرة وهى تتفاقم وتتضاعف بشكل حسابى ومجانية التعليم لا مجانية فيها ولا تعليم ووزارة التربية لا تقدم أى تربية ومستوى الخريجين فى تراجع رهيب والبلد يسير الى أمية علمية حقيقية على مستوى سواد القراء وسواد الجمهور والنتيجة هى ازمة التذوق التى اشار اليها نجيب محفوظ


ونلاحظ الأن أثارها فيما نشاهد من انحدار عام فى الأذواق فى كل شيىء ابتداء من النظافة الى السلوك الى أداب الاستماع الى أداب المرور الى النظام الى الاخلاق .. وينعكس هذا الإنحدار على السلع الثقافية والمطروحة فنرى أكثرها هابطا ورديئا ونرى أروج الأغانى هى أكثرها هبوطا وأنجح المسرحيات أكثرها إسفافا وأنجح الأفلام أكثرها تفاهة
***
ويقول نجيب محفوظ ان النبت النادر من العبقرية المصرية لن يتوقف تفاؤلا منه فى أن المرض عابر والسلالة أصيلة والتسويس لم يضرب فى الجذور بعد

ولكن هذا النبت النادر لن يجد مناخا مناسبا لنموه وسوف يعانى من تربة غير ملائمة وجو ملوث غير صالح ومنافسة عدوانية من السلع الرديئة والعملات المزيفة وقد راينا بشائر تلك الظواهر فى عبقريات هاجرت الى الخارج وتالفت أمثال مجدى يعقوب وفاروق الباز ورمزى يسى وعمر الشريف حينما وجدت المناخ الملائم الذى افتقدته فى بلدها

وانى لشديد الإشفاق على طلائع المستقبل وأعلم أنه لا تقدم لأمة ولا ذكر لها ولا تاريخ ولا أثر بدون طلائعها وعبقرياتها
واليسار الغبى الذى ما زال يساوم على كسب الشارع والذى يتحرك بنفس العقلية الغوغائية والذى لا يهمه سوى إشعال الحقد الطبقى .. ما زال يقاوم أى مساس بهذه المجانية الساذجة والنتيجة أن أطفالنا يتعلمون فى مدارس الحضانة بألفى جنيه مصاريف سنوية فاذا جاء وقت الجامعة دخلوها مجانا .. ولا احد يضحك على النكتة .. لأن المناخ العام أصبح مناخ تخلف عقلى
***
ونكبة التعليم سوف تتحول مع الوقت الى مشكلة تحتاج الى بطل عبور أخر يجد فى نفسه الجرأة والجسارة ليقوم بالتغيير ويواجه اليسار الفاسد والشارع المضلل ومرتزقة الإشتراكية وحملة الشعارات

ولقد قرأنا معا الخبر الذى جاء من بكين فى وكالات الأنباء بأن الحزب الشيوعى الصينى طرد 5249 من أعضائه بتهمة الإختلاس والرشوة والسرقة والفساد والأنحلال الجنسى وذكر أن الخسائر المادية بسبب هذا الحشد من اللصوص لا تحصى
وهذا نوع جديد من الأخبار لم يعرفه التاريخ الا فى العصر الاشتراكى الذهبى

الم يقل ستالين بلسانه أنه أعدم خمسة ملايين فلاح وقال خصومه أن قائمة القتلى والمساجين فى عهده جاوزت العشرين مليونا
تلك حقائق أعترف بها أهلها  وقاموا هم أنفسهم بإخراج جثة الرجل من الكرملين وإحراقها وقام جورباتشوف بإحراق ما تبقى من تاريخه
فلماذا يتقدس الفساد عندنا ولماذا يجدل من يحافظ عليه ويدافع عن رموزه
ولماذا نجد الأخطاء من يصر عليها
***
ولقد تحول الأنسان المصرى من انسان العلم الى انسان الرغيف وأصبح الهم الأول هو اللقمة وهذا ما فعلته تقدمية الفئة المضللة ومصر لم تكن ابدا بلد مجاعات حتى فى أحلك مراحل تاريخها بل ان بلاد المجاعات مثل الهند وباكستان وصلت الى عصر الذرة والفضاء بدون ماركسية وبدون مرتزقة التقدمية المحترفين

بل أننا نسمع الأن كلاما مختلفا يخرج من داخل روسيا نفسها ونقرأ بأقلامهم أن الماركسية أصبحت فكرا رجعيا معرقا لا يصلح للعصر
فمتى يخرج اليسار المصرى من خندق التخلف الذى يرابط فيه ومتى تخرج هذه العقول من الجاكتة الجبس التى وضعت نفسها فيها ومتى تعيش
العصر 

ورغم الصورة القاتمة فأنا اشارك كاتبنا الكبير نجيب محفوظ تفاؤله الحذر فبلدنا يسير ويتحرك ببطء لكنه يتحرك .. وما هى الأوبرا تفتتح منذ أيام .. وعلى الأرض حولنا تقوم مجموعة من الأنشاءات لم نشهد حجما مماثلا لها من قبل .. مدن وموانىء ومصانع وطرق وسنترالات وكبارى علوية وأنفاق ومحطات قوى ومزارع نموذجية ومستشفيات مثالية0
***
وتبقى الروح .. فالمجتمع ليس فقط مؤسسات ومنشأت .. وانما روح والروح مفتاحها الصحوة الدينية الحقيقية .. والصحوة التعليمية الحقيقية .. والفن الجيد ..

والصحوة الدينية بدأت من سنوات وهى فى طريقها رغم الصراعات والعقبات والأشواك .. والفن الجيد يؤذن بالبداية بعد افتتاح الأوبرا0
أما التعليم فهو النكبة الحقيقية التى تتطلع الى بطل يعبر بها
لقد أسعدنى الحظ أن أشهد جائزتى نوبل يأخذهما سياسى مبدع خلاق هو أنور السادات عبر بمصر نكبة الهزيمة .. وقلم عبقرى صور لنا أثار تلك الهزيمة فى كتبه وعبر بنا الامها ..
وبقى التعليم .. ينادى على بطل

بطل يقلب الموازين ويغير الأسس لا مجرد موظف ينشد موال لا مساس .. بطل يواجه موجة الفساد ويضع اللبنة الأولى فى الجامعة الأهلية .. بل الجامعات الاهلية
وهل نسينا أن جامعة القاهرة بدأت أهلية باسم جامعة فؤاد بتبرعات من الأثرياء وأنها كانت مركز اشعاع اخرج لنا زعامات ونوابغ
وهل هناك ظلم وغبن أكثر من أن تعطى للجامعة الأمريكية ما نحرمه على أنفسنا فنعطيها الحق فى أن تتقاضى أكثر من خمسة الاف دولار مصاريف للطالب الواحد .. ألسنا أولى واحق بهذا ..
والسنا أحق بهذه الألوف التى يمكن أن تكون أداة لتطوير التعليم
***
 
ولماذا نحكم بالفقر والعجز على مؤسساتنا التعليمية .. ثم نعود فنعد أيدينا لنفترض .. وفى النهاية من سيدفع القروض  ألن يدفعها المواطن من لحمة
الحى ..؟؟!
اليست القروض والفوائد التى تخدمها هى السر وراء التضخم والتهاب الأسعار وهبوط قيمة الجنيه ومعاناة الشارع المصرى
فلماذا نحكم على أنفسنا بهذا العذاب .. لمجرد عبادة شعار وتقديس صنم والإسترسال فى سياسة فاشلة إنتهى زمانها ..؟؟

0 التعليقات

إرسال تعليق