قنبلة وشيكة الانفجار

جماعة الاب جيم جونز هى طائفة بروتستنتيه متطرفة تأسست فى كاليفورنيا عام 1963 وبلغ عدد إغضائها ثلاثين الفا .. وقد تلقى الأب جونز تزكيات من عدد من رجال الكونجرس ومن عمدة سان فرنسيسكو ومن زوجة الرئيس كارتر وهى تزكيات شجعت حاكم جويانا على ان يمنحه قطعة ارض من 37 الف فدان يقيم عليها مستعمرته ويحقق عليها حلمه المزعوم بمجتمع تسوده المحبة والتعاون والإخاء وتزول فيه الطبقات

وهى المستعمرة التى انتهت بحادث قتل وانتحار رهيب لاطفال وشباب ورجل ونساء جاوزوا الاربعمائه عددا وعلى راسهم رئيس الطائفة الاب جونز نفسه الذى قاد عملية الانتحار الجماعى وكانها صلاة او طقس دينى

والتزكيات التى قدمها رجال الكونجرس وعمدة سان فرنسيسكو وزوجة الرئيس كارتر تدل على أننا أمام رجل لامع مؤثر بليغ وداعية من أصحاب الشخصيات المغنطيسية ..
وابلغ فى الدلالة على قدرة هذا الرجل ما فعله فى آلاف الشباب ممن دفعهم أمامه هم واسرهم وأطفالهم حتى الموت فى طاعة عمياء  ودكتاتورية بشعة وكأنه الرب الواحد الذى لا يناقش


وظاهرة التطرف الدينى تكاد تكتسح العالم كله اليوم
وقد شهدنا منها جماعة التكفير والهجرة عندنا .. وشهدنا ما فعله زعيمها بالمئات من أتباعه الذين كرسوا أنفسهم له حتى الموت وحتى الجريمة

واذا كانت هذه المؤشرات تدل على شيىء فهى تدل على حالة تعطش دينى عند الشباب وحالة خواء وفراغ وضياع واستعداد للموت وراء أول صارخ فى برية يدعوهم الى الله
وقد كنت فى لندن من عشر سنوات وكانت جميع الشوارع تغطيها افيشات كبيرة عن محاضرات الزعيم الروحى والصوفى الهندى ” الهاريشى ماعيشى” وكان الشباب يحجون الى هذه المحاضرات زرافات بالتعطش الذى يسعون به الى ملاعب الكرة وقد اطالوا ذقونهم وأظافرهم وعلقوا المسابح فى رقابهم

وقد سمعنا عن النبى الجديد ” مون” وما فعله فى أوروبا
وسمعنا عن النبى الأخر الزنجى ” اليجا محمد” الذى جمع حوله طائفة من أقوى الطوائف الإسلامية فى أمريكا
وفى كل مرة نرى رجلا يصرح داعيا الى الله فيجتمع حوله الألوف من الشباب يتابعونه فى طاعة وبراءة الأطفال

لقد فشلت التكنولوجيا وحدها فى أن تكون هدفا للحياه وفضلت الحضارة المادية فى أن تقدم المحراب البديل عن المسجد والكنيسة وانهزمت الماركسية فى امتحان التطبيق ولتكشفت عوراتها وثغراتها وفقدت تلك اللمعة التى كانت تجنب اليها الشباب كما عجز رجال الدين التقليديون من القساوسة ومشايخ عن مخاطبة الأجيال الجديدة فاصبح الباب مفتوحا على مصراعيه لاى زعامة متطرفة يقودها أى شيطان ملثم يجيد حرفة الكلام ويتقن هذه اللغة السحرية التى يتكلم بها أهل الله .. وعادة ما يكون هذا الشيطان من أصحاب القوى المغنطيسية فى التأثير.. 

وحينئذ فالويل لنا منه ومن كل من يمشى خلفه
ولا شك أن هؤلاء مع طلائع المسيخ الدجال فى عصر عجيب جمع بين الانحلال والعهر الجنسى وبين الصحوة الروحية والشوق الى الله

ويكاد يجتمع هذان الوجهان الوجه المادى والوجه الروحى فى كل شاب ويتصارعان أحيانا فى وعيد أحيانا فى عقله الباطن .. ولا أنسى تلك المرة التى قابلت فيها أمراة تعيش حياتها فى تبذل كامل وانحلال وكانت تبكى فى طهارة كطفلة كلما ذكر أمامها الله او استمعت الى قرآن .. وكانت تبكى وسط ضجيج الجاز وصخب السكارى فى ناد ليلى وقد نسيت تماما أنها فى زحام وأنها وسط الناس .. وأي ناس
وتلك هى الشخصية المزدوجة لهذا العصر المتفجر بالتناقضات

ولقد رأينا صاحبنا الاب جيم جونز يدعو الى الطهارة والتدين ويعيش فى نفس الوقت حياة الجنس والمخدرات والشذوذ ورايناه يمسك الانجيل بيد ويقتل باليد الاخرى
وإنى لأشعر أحيانا ان تحت أقدامنا فتيل قنبلة دينية زمنية وان النار تسرح فى الفتيل وان القنبلة وشيكة الانفجار .. 

وأننا فى أشد الحاجة الى طلائع لترشيد هذا الحماس الدينى وتنويره حتى يأتى التحول بإصلاح وليس بموجات جديدة من الجرائم والخيط دائما رفيع جدا بين أهل الله أهل الشيطان خاصة اذا تلثم آهل الشيطان باللثام الدينى واتخذوا المصاحف والأناجيل شعارا ودعوا الى الله والى الفضيلة والتقوى

والفارق دائما هو تلك النبرة الحادة وذلك الميل الى التعصب
والمتعصبون من جميع الأديان ليسوا فى الواقع على دين سوى دين نفوسهم .. فهم عابدون لذواتهم ولتصوراتهم الشخصية وليس لله الواحد الداعى الى التواضع
والنبى عليه الصلاة والسلام وضع يده فى يد اليهود فى البداية وسالم أهل الشرك وعاهد الكفار ولم يرفع سلاحا فى وجه أحد إلا حينما قاتله الكل وحاربه الكل واضطهده الكل حينئذ اذن له الله فى ان يدافع عن نفسه

والمسيح قال فى أولي وصاياه .. احبوا أعداءكم .. ونحن نقول ادفع بالتى هى أحسن السيئة ، ويوحنا كان على صلابته فى الحق محبا للناس عطوفا على الحيوان وقد أحب كل شيىء حتى الجبل والشجر ورمال البحر وثرى الأرض
وتلك سمة رجل الدين الحقيقى .. حبه للعدو ونصحه للخصم قبل الصديق وكراهته للعنف الا فى الضرورة القصوى

والله يقول لمحمد عليه الصلاة والسلام
” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”
” أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”
” فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر”
“وما أنت عليهم بجبار”
” فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا “
” قل كل يعمل على شاكلته”
” لا يضركم من ضل اذا اهتديتم “
” لكم دينكم ولى دين”

إن احترام حرية الرأى والسماحة مع وجهة النظر المخالفة وسعة الصدر مع الخصوم وحب الحياة والخير والدعوة الى البناء وكراهة الهدم هى علامات أهل الله وهى التى تميزهم عن الشياطين الملثمين مهما قالوا ومهما دعوا .. فخذوا حذركم من هذه الموجات التى تأتى تباعا وانصتوا الى القلوب وليس الى زخارف الأقوال فان النار تسرح فى الفتيل والعالم قد بلغ ذروة تناقضه

بقلم الدكتور مصطفى محمود بتاريخ
26-11-1978

0 التعليقات

إرسال تعليق