التخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِين)
سورة البقرة الآية 213
هكذا بدأت الحال بالناس امه واحده على الجهل و الماديه و الكفر و عباده اللذه العاجله، لا يؤمنون الا بما يقع فى دائره حواسهم، و لا تتجاوز اشواقهم دائره المعده و الغرائز، ثم نزلت الكتب و الرسل فتفرق الناس بين مصدق و مكذب، بين مؤمن و كافر، واختلفوا شيعاً و طوائف.

هكذا يروى لنا التاريخ من آدم الى نوح الى ابراهيم الى يعقوب الى اسحاق الى اسماعيل الى موسى و عيسى و محمد خاتم النبيين عليه الصلاه و السلام.
ثم مرت قرون و قرون بالاسلام ضعف فيها شأن الاديان، و استدار الزمان كهيئته الاولى يوم خلق الله السموات و الارض، وعادت الجاهليه تلف الناس فى يوم مظلم، هذه المره جاهليه اشد كثافه و غلظه من الجاهليه الاولى..هى جاهليه القرن العشرين المتنكره فى ثوب العلم المادى و غروره..يتبجح بها ناس مشوا على تراب القمر و شيدوا ناطحات السحاب، وغاصوا الى قيعان البحر، و انطلقوا الى أقاصى الفضاء، وخضروا الصحارى، و زرعوا الاجنه فى القوارير.. و ظنوا أن علومهم من عند أنفسهم، فأخذهم الكبر و الزهو، و تصوروا أنه قد حان الوقت ليهزموا الموت، و يبلغوا الخلود، و يفرغوا من اللأمر كله.

كاد الناس فى هذا الزمان يعودون إلى الجاهليه الاولى أمه واحده على الإنكار و الكفر، يبتسم الواحد منهم فى سخريه إذا رأى من يصوم أو يصلى، ويقول فى نفسه: هذا العبيط..لمن يصلى؟.. و يرى فى الإيمان بالغيبيات سذاجه و غفله، و يرى الذكاء و الفطانه و العلم فى رفض هذه الخزعبلات و الأساطير.

فى هذه العصر ظهر لون جديد من كتب السيره يحاول فيه الكاتب أن يجرد محمداً عليه الصلاه و السلام من كل ما هو سماوى غبى، و يتصوره فى غار حراء و قد اختلى بنفسه لا ليناجى ربه و إنما ليتأمل أحوال البروليتاريا فى قريش، و يفكر كيف يستنقذهم من مظالم الساده بشريعه جديده، و قد جعل من النبي العظيم شيئاً كجيفارا، ومن الإسلام شيئاً كثوره اجتماعيه، و ظن بهذا أنه كان علمياً فى استقصاء حياه محمد.. وأنه بإستبعاد حكايه جبريل و نزول القرآن إملاء من عند الله، و إسراء النبي إلى المسجد الأقصى و عروجه الى السموات العلا - ظن بهذا أنه خدم العقيده، و رفع من شأن رسولها.. و أنه كان يتكلم لغه العصر، و يخاطب الكافر بلغته.. و الحقيقه أنه لم يكن يخاطب الكافر بلغته،  بل كان يصانعه و يداهنه و يتألف بالكذب و التزييف، و ينزل بنبيه الى درك السياسيين المغامرين، و يجرد من العصمه و القداسه.

وحجته فى ذلك ما قال لمحمد فى القرآن:
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)
و ليته أكمل الآيه:
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)
سوره الكهف الأيه 110
فهذه التتمه تنفى المثليه التى تصورها كاتب السيره، فمحمد بشر مثلنا و ليس بشراً مثلنا.. لأنه يوحى اليه و نحن لا يوحى الينا بشئ.. و انما نحن أصحاب اجتهاد على الاكثر.. أقصى ما نحلم به هو انقداح الفكر و فيض الخاطر.
و هذا الفرق الدقيق هو سر النبوه
إن النبى مثلنا و ليس مثلنا.
هو فى حضره الملأ الأعلى و الملكوت يرى جبريل رؤيه عين، و يسمع منه، و نحن فى الحضره الأرضيه، و فى الحضيض البشري محجوبون لا حظَ لنا فى هذه المرائى العاليه.
هو برزخ بين الشهاده و الغيب.
و نحن على شاطئ الشهاده و المحسوس لا نكاد نطل على البر الآخر إلا فى حلم أو شطحه أو كرامه.
و هذا هو الفرق بين النبى و الولى و المصلح الإجتماعى.
النبى جليس على المائده الربانيه يتلقى من ربه الكلمه و التشريع و التكليف.. و هو معصوم لا ينطق عن الهوى.
و الولى كل حظه لحظه شفافيه و إطلاله خاطفه من باب موارب ما يلبث أن يعود فينغلق، و ليس له عصمه و لا تكليف و لا تبليغ.
و المصلح الإجتماعى من أهل الإجتهاد مثله مثلنا، و حظه حظنا، يخطئ و يصيب، و لا عصمه له، و لا خروج من دائره المحسوس، و لا تحليق إلا بالخيال و الحدس و التخمين.
وأى فرق هائل بين هذه المراتب؟.. تكاد كل مرتبه تكون فى فلك.


و أى سقوط بالنبوه إذا نحن جردناها من هذه الصله الربانيه؟..
و ماذا يبقى من الدين إذا جردناه من الغيب؟
إنه التكذيب بعينه و قد أخذ صوره العباره العلميه الملفوفه. ألم يصف الله المؤمنين بأنهم:
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)
سورة البقرة الآية 2
فجعل شرط الإيمان هو الاعتقاد بالغيب.
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)
سورة النساء الآية 136
فالإيمان بالملائكه شرط صريح للإيمان بالله.
و لكنها ماديه العصر تسللت إلى كل شئ حتى إلى فهمنا للنبوه.. و أصبح الكاتب العصرى يتصور أنه يكون أذكى و أفطن أذا تكلم عن محمد عليه الصلاه و السلام كما يتكلم عن أبراهام لنكوان، فهذه هو الفهم العلمى للأمر.
و ماهو بالفهم العلمى و لا الموضوعى.
فكل نبى مصلح، و ليس أى مصلح بنبى مهما بلغت إصلاحاته.
لأن جوهر النبوه ليس الإصلاح و لا التعمير. و لكن جوهر النبوه هو هذه الصله المبهمه بالله و بغيبه المغيب، هو هذه الحاله البرزخيه بين الطبيعه و ما وراء الطبيعه.
هذه الحاله التى تجعل من النبى مستمعاً من نوع فريد يتلقى الإلهام من آفاق أعلى لا يرقى إليها غيره.


و لهذا يحتاج النبى الى إعداد روحى يختلف تماماً و الإعداد العقلى الذى يحتاج اليه المصلح الاجتماعى.
فإذا كانت عده المصلح الاجتماعى هى الدراسه و الخبره و العكوف على المراجع و أمهات الكتب المتخصصه، فإن عده النبى مختلفه تماماً..
فهو فى غير حاجه الى دراسه و العكوف على الكتب، و إنما الى إرهاف السمع الى الكون، و تجريد قلبه من الشواغل، و تخليص همته من التشتت فى توافه الأمور، و الخروج بنفسه من شد و جذب الرغبات و النزوات و الشهوات، و جمع الهمه و تركيزها فى طلب شئ واحد هو حقيقه الحقائق.. الله سبحانه.

ولهذا يخرج ابراهيم الى الفلوات يتأمل القمر و النجوم، و يخرج المسيح الى البريه و يصوم موسى أربعين يوماً لميقات ربه، و يختلى محمد فى الغار.
لم يعتزل محمد فى الغار ليقوم بدراسه البروليتاريا فى قريش كما زعم اصحابنا.. و إنها لنكته تدل على مدى ما بلغت عقول الماديين من سطحيه و خواء، فلم يكن فى قريش صناعه ليكون فيها بروليتاريا.. وإنما كان فيها أرقاء.. و كانت تأتى الحروب القبليه فتجعل من الساده رقيقاً و من الرقيق ساده هكذا فجأه دون أى مضمون طبقى فى الموضوع.. الغالب يجعل من المغلوب رقيقاً و سبايا حتى تدور عليه الدوائر فتنقلب الأوضاع.

و قد جاء محمد فى المجتمع القرشى
رقيق، و ترك محمد الدنيا و فى قريش رقيق.. و كان محمد - عليه الصلاه و السلام - فى حياته سبى و رقيق من غزواته.. إذن لم يكن هم محمد فى الغار و ما بعد الغار مسأله الساده و العبيد.. و إنما كان همه الوحيد هو معرفه الإله ثم التعريف به واحداً لا شريك له.

و لم تكن معركه الإسلام هى التغيير الطبقى، و إنما كانت معركته هى الانتقال بالعقول من فكره تعدد الآلهه الى فكره التوحيد، و من العباده الوثنيه الى التجريد.. و لهذا حرص محمد - عليه الصلاه و السلام - بعد الإسلام على أن يثبت كل زعيم على زعامته و كل سيد على مكان الشرف فى قومه دون تبديل إلا أن يرفض تحطيم الأصنام، فكان حينئذ يخلعه من ولايته.
وإنما جاءت الوظائف الاجتماعيه للدين بعد ذلك حينما بدأت تقوم دوله جديده موحده فى حاجه الى تشريع جديد و قوانين جديده و علاقات جديده، فنزلت الآيات الخاصه بالعداله الاجتماعيه و توزيع الثروه كما شرحنا بإسهاب فى مكان آخر، و سوف يعود السائل فبسأل:
و لماذا لا يكون محمد عبقرياً ملهماً؟
و لماذا لا نرى فيه مصلحاً من طراز فريد؟
و لماذا لا يكون السياسى و القائد و الزعيم الذى لا يجود بمثله الزمان؟

و كيف نقنع العقل العلمى البحت بحكايه النبوة هذه، علماً بأ مسأله جبريل و نزول القرآن من السموات مسأله لو يباشرها إلا محمد عليه الصلاه و السلام وحده، و لا دليل لدينا عليها، إلا أن نسلم بها تسليماً بلا مناقشه.. و هو أملر لا يرضاه العلم.
و ربما أومأ السائلون موافقين.
نحن معك أن هدف محمد عليه الصلاه و السلام لم يكن التغيير الطبقى، و لا كان شاغله فى الغار هو مسأله الساده و العبيد، و سنوافق معك على أن محمد عليه الصلاه و السلام كان يتأمل فى الحقيقه، و كان يطلب ما وراء الطبيعه.. و كان يريد الله.. و لكن أو لو يكن هذا هو عينه مطلب الفلاسفه أجمعين من سقراط إلى أفلاطون إلى أرسطو إلى كانت إلى هيجل؟
لماذا لا تراه واحداً من هؤلاء، و بعضهم كان أمياً مثل سقراط.

لماذا تقول انه نبى؟ لماذا هذا الإصرار على انه نبى؟
أعندك شواهد غير إيمانك يمكن ان تقنعنا عقلياً بنبوته؟
و هى أسئله مشروعه.. و هى تجرنا كلها جراً الى موضوع ملامح النبوه فى حياه محمد.. و هو موضوع عشش فى ذهنى طويلاً و أنا أطالع كتب السيره و أطوف بين سطورها متأملاً متدبراً سيره الإنسان الذى غير الدنيا و عاش و مات كرجل بسيط متواضع.
و لكن أحكى عن الخوارق التى ترويها السير عن حياه محمد..
فالاسلام لا يلجأ إلى الخوارق لإقناع الناس.. و محمد كان يجاوب كل من يسأله الإتيان بخوارق قائلاً: إنما انا منذر و لست بصانع معجزات.
و خالد بن الوليد حينما أسلم مؤخراً، و كان فارس قريش و سفاحها أيام الكفر، وقف يقول:
"الآن استبان لكل ذى عقل أن محمداً ليس بساحر و لا شاعر، و أن كلامه كلام رب العالمين، فحق على كل ذى لب أن يتبعه".
كان العقل و المنطق إذن هما وسيلتاه إلى القناع، و ليست المعجزات و لا الخوارق.


بقلم الدكتور مصطفى محمود من كتاب
محمد -صلى الله عليه وسلم- محاولة لفهم السيرة النبوية 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل كان لنا وجود قبل ان نولد؟

يلازمنى إحساس منذ بدأت أعى وادرك وجودى أنى كنت موجودا دائما وأنى حقيقة ولست أمرا طرا بالميلاد وأنى كنت هنا أو هناك فى مكان أو لا مكان لست أدرى .. انما هو إحساس دائم ومؤكد بالحضور لا أعلم كنهة ومصدره .. وكل ما يحدث أمامى الان هو مرور شريط متتابع لأحداث متتالية لماضى وحاضر ..
وهو شريط يمر أمامى ولكنى فى الأعماق خارج عن هذا الشريط واقف على عتبة حضور مستمر وأنية مطلقة لا تعرف تزامنا .. اراقب تصاريف الزمن امامى عن بعد واراقب طفولتى وصباى وشبابى وشيخوختى دون أن تدركنى انا اى شيخوخة فأنا .. ذاتى .. شباب دائم وحضور دائم ويؤيد هذا الاحساس الداخلى حقائق الدين التى تقول بأنى احاسب واعاقب واموت وانما انتقل الى حياة برزخية ثم الى بعث ثم الى خلود فى نعيم أو خلود فى شقاء .. فانا اذن خالد ..
وانا لست مسالة طارئة استجدت بالميلاد وستنتهى بالموت ومنطقية لو انى كنت امرا طارئا زائلا لما كنت حقيقة بل مجرد ظاهرة موقوتة تلمع لم تختفى فلا تعود هناك حكمة فى بعث وحساب وعقاب .. وعلام العقاب ولا حقيقة هناك .. وفى القران الكريم اشارة خاطفة الى هذه السابقة الوجودية قبل
الميلاد ” “لقد خلقنا الانسان فى احسن تق…

كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

بقلم : محمد عوض الحنشي

قال تعالى (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِالْمُؤْمِنُونَ )التوبة51. ويقول ايضاً ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )آل عمران 139. قال عامر بن قيس : ثلاث آيات من كتاب الله استغنيت بهن على ما أنافيه
قرأت قول الله تعالى :(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ)الأنعام17 فعلمت وأيقنت أن الله إذا أراد بي ضر لم يقدر أحد على وجه الأرض أن يدفعه عني وإن اراد أن يعطيني شيئاً لم يقدر أحد أن يأخذه مني .
وقرأت قوله تعالى :
(فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ )البقرة 152
فاشتغلت بذكره جل وعلا عمّا سواه .
وقرأت قوله تعالى : (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)هود6
فعلمت وايقنت وازددت ثقة بأن رزقي الله لن يأخذه أحد غيري .

تعرف على أبرز المفكرين العرب والمسلمين

للاسف الشديد معظمنا يفتقر الى معلومات عن مفكرين هذا العصر نظرا لان اهتمامتنا الثقافية لا تلتف كثيرا الى السير الشخصية لهؤلاء العظماء على اعتقاد منا ان قراءة السير الشخصية غير مجدى ، وهو امر خاطئ...
حيث ان كونهم عظماء لم ياتى من فراغ ولكن كان نتاج كفاح طويل اما ضد محتمل او حتى ضد افكار خاطئة ، ولذلك قراءة سير المفكرين عموما وخصوصا المفكرين العرب والمسلمين هو امر مفيد للغاية ، حيث الاستفادة من تاريخ هؤلاء ...
لذلك اضع بين ايدى حضراتكم اليوم هذه القائمة التى وجدتها مصادفتا على ويكيبديا والذى تضم قائمة بأسماء أبرز المفكرين العرب والمسلمين ... تستطيع من خلالها التعرف على معظم هذه الشخصيات وعلى سبيل المثال تضم القائمة الاسماء التالية: