مجلس الشعب هو المتهم وليس ابن عربى

ابن عربى فى مجلس الشعب
كيف يصادر العقل باسم الإسلام والإسلام يطرح كل شيىء على العقل
اعترف انى شعرت بالدهشة والحيرة للقرار الذى اتخذه مجلس الشعب بمصادرة كتاب الفتوحات المكية لابن عربى وتحريم تداوله والتنبيه بجمع نسخه من السوق
وساءلت نفسى

ترى هل قرا أعضاء مجلس الشعب الأفاضل كتاب الفتوحات المكية (وهو من 36 جزءا ) ليحكموا له او عليه .. ام انهم قراوا بعض سطور قدمت اليهم من هنا وهناك

وهل وجد أحدهم الوقت ليقرا  الأجزاء الستة والثلاثين .. والذى وجد الوقت لقراءتها هل وجد القدرة على فهمها ( وقد قرأت من قبلهم ابن عربى فاحتجت الى عشر سنوات لافهمه) ولا أنسى ذلك ألاحساس الذى غمرنى حينما بدأت افهم الرجل وحينما بدأت استشف المعانى من وراء سطوره فشعرت وكأننى اخرج من الظلمة الى ضوء مبهر .. وقلت لنفسى .. 

ما أضيع العمر الذى ذهب دون ان اقرأ الفتوحات
وكلام ابن عربى من قبيل الكلام الخاص الموجه الى الخاصة واحيانا الى خاصة الخاصة وهو من الكلام المضنون به على غير أهله0
وليس من اختصاص مجلس الشعب الحكم على ابن عربى والا لجاز لهم ايضا الحكم على كتب اينشتين ومصادرتها لأنها قالت كلاما من قبيل البدع .. ولجاز لهم أيضا مصادرة الفلسفة بكل ما جاء فيها لأنها تبدأ من نقطة اللا عقيدة


اقول ان هذه أمور ليست من اختصاص مجلس فلا يصلح للحكم على ابن عربى الا نقاد متخصصون فى مستوى فكر وفلسفة ابن عربى
ثم ان اغلبية الناخبين الذين انتخبوا اعضاء مجلس الشعب لم ينتخبوهم للإفتاء فى ابن عربى واينشتين وانما انتخبوهم للنيابه عنهم فى حل مشاكلهم الحياتية أمثال الماء والنور والإسكان والمواصلات والمرتبات والمعاشات والغلاء والتسعيرة .. الخ

ثم ان ابى عربى تراث وليس كاتبا صحفيا .. يمنع له فيلم او يصادر له كتاب وهو هرم موجود لا يمكن تنحيته من مكانه
وتستطيع ان تختلف معه او تتفق معه ولكنه سيظل موجودا وهو تاريخ .. والتاريخ لا يصادر ومصادرة ابن عربى سبة وعار ثقافى وحضارى على الذين صادروه والازهر هو جهة اختصاص لم  يجرؤ على مصادرة ابن عربى

وقد رأينا الازهر على النقيض من ذلك يمنح الدكتوراه بدرجة الشرف لباحثين أمثال الدكتور محمد مصطفى قدموا رسالتهم فى ابن عربى وذلك منذ سنوات قليلة مضت وفى عهد رجل مستنير هو الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله
فما الذى جرى فى بلدنا انسير الى الوراء ام الى الأمام وكيف يصادر العقل بأسم الإسلام والإسلام يطرح كل شيىء على العقل والقرآن يطالبنا بالنظر العقلى فى كل شيىء حتى فى قضايا الأيمان ” قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين”

والنظر العقلى هو سبيلنا بالرغم من أخطاء العقل وحدوده
فنحن نعود فنصحح أخطاء العقل بالعقل ولا سبيل لنا غير ذلك ولقد تجمد الدين وتخلف المسلمون واصبحت الأمم الإسلامية فى ذيل العالم منذ ان نادى المتطرفون بتعطيل العقل
ثم ان جوهر القضية وهى تهمة” وحدة الوجود ” التى اتهموا بها ابن عربى .. هى تهمة باطلة
والذى يقرأ ابن عربى بشمول وامعان وبصيرة سوف يبرىء الرجل تماما من هذه التهمة فلا اتحاد بين خالق ومخلوق عند ابن عربى ولا يستطيع عبد أن يصبح ربا
يقول ابن عربى فى لفظ واضح صريح
كنه وصفا ولا تكنه ذاتا            فعين المحال بادى
اى انه من المحال ان تكون الها

ومن المحال ان تتحد بذات الله ..وانما كل ما تستطيعه ان تجاهد لتتصف بالصفات والنحوت الربانية فتكون الرحيم الكريم الودود الرؤوف الحليم الصبور الشكور وكلها صفات ربانية أسمائيا يفيض بها ربنا عليك اذا انت تاهلت لها وتطهرت لها
ان ابن عربى لا يجعل من الأسماء الحسنى أربابا لهم حكم بذواتهم مثل مجلس أرباب الأواب .. فذلك لفك وتدليس وافتراء على الرجل هو براء منه وأنما الأسماء الحسنى هى شخوص توراتيه أثارها واحكامها مستمدة من الذات الالهية .. كما نعمل نحن بالنفحة الإلهية التى أودعها الله فينا
ونحن نقول ان الطبيب يشفى وان الله يشفى

فهل جعلنا الأطباء شركاء لله فى حكمه وهل جعلناهم كأرباب الأواب ابدأ .. فالاطباء يعالجون ويشفون ويشخصون ويعرفون بالنور الذى أودعه الله فيهم وبدون الذات الإلهية لا قيومية لشيىء ولا قدرة لشيىء
وبدون الذات الإلهية جميع الأسماء الإلهية بلا فعل ولا اشر ولا حيلة ولا وجود ولا غرابة فى القول بأن الأسماء الإلهية شخوص نورانية

الم يقل الله ان المسيح كلمة وان كل شيىء كلمة .. وانه لو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما ما نفذت كلمات الله
والفرق بين كلمتنا وكلمات الله .. ان كلماتنا حروف أما كلمات الله فهى شخوص .. وكذلك أسماؤه الحسنى شخوص نورانية
ولكن لا فعل لشخص ولا لشيىء ولا لذرة ولا لمجرة إلا بالذات الالهية .. فالله وحده هو الفعال ولكنه يسبب الأسباب ويختار ذواتنا لتكون محلا لهذه الأسباب يختار الشيطان ليجعل نقمته ويختار محمدا عليه الصلاة والسلام ليحمل رحمته .. فمجال القرب بين العبد والرب هى الصفة الربانية وليست الذات الربانية .. فالذات فى العلو المطلق لا نصيب لاحد فيها ولا شركة لاحد معها فى شيىء

يقول ابن عربى بلسان عربى واضح
وليس الا الحق لا غيره           فعينه الظاهر نعت العبيد
ولا تقل بانه عينهم                 بل كما قلته لا تزيد
اى لا تقل بان العبد هو عين الرب

ولا تقل بأى ” وحدة وجود ” من هذا النوع .. وانما مجال النعت والصفة هو مجال اللقاء بين الرب وعباده حيث يتجلى الرب فيهم وفى الدنيا كلها .. فكل أوصاف الجمال منه وكل أوصاف الرحمة منه وكل أوصاف الكرم منه وكل أوصاف الحلم منه هو الظاهر فى كل النعوت وفى جميع الكمالات فنحن لنا نصيب فى نعوته ولكن لا نصيب لنا فى ذاته ” أينما تولوا فثم وجه الله ” وذلك هو التجلى فى كل جميل وتلك هى وحدة الشهود الإسلامية وهى غير وحدة الوجود البوذية التى تقول بأن الخالق هو عين المخلوق ونحن لا نقول بهذا وانما نقول بأن الله هو الظاهر بأوصافه واحكامه وافعاله فى كل شيىء نقول هو الظاهر ولا نقول هو المظاهر والفرق كبير جدا بين الكلمتين فالله الظاهر لا نهائى بينما المظاهر التى يتجلى فيها محدودة ولهذا لا تجوز الوحدة بين الاثنين لا تجوز الوحدة بين اللانهائي والمحدود فالبحر لا  يمكن ان يوضع فى فنجان ومع هذا فمياهه تظهر فى الفنجان وهى من عين المياه التى فى البحر وذلك هو التجلى وليس وحده الوجود
وهذا ما يقوله ابن عربى ويؤكده فى الست والثلاثين جزءا من الفتوحات المكية ومن فهم غير ذلك ..فليس الذنب ذنب ابن عربى وليست هذه قضية تطرح على مجلس  الشعب .. وانما هى قضية تطرح التأمل الهادىء فى ساعات الخلوة والصفاء

وكتاب الفتوحات لا يقرأه الا قلة ولا يفهمه الا أحاد وجملة المطبوع من كل جزء لا يزيد على ثلاثة آلاف فلماذا يثور أعضاء مجلس الشعب الكرام على ثلاثة آلاف نسخة من كتاب لا يفهمه أحد ويسكتون على كتب لينين التى تطبع وتوزع بالملايين وعلى الكتب الجنسية المكدسة على الأرصفة وعلى مجلات البلاى بوى التى توزع فى البوتيكات لماذا لا يثور الأعضاء الأفاضل على الأغنيات الهابطة والنكات المبتذلة والهزليات .. التافهة التى تهبط بمشاهديها الى الحضيض
أنى اطلب إعادة طرح الموضوع على مجلس الشعب لاعادة النظر وسحب قرار المصادرة .. فهو وصمة ونقطة سوداء فى مضبطة المجلس

ان فلك الشمس يزهو ويفخر بان أحد كواكبه انجب هذا المفكر المتألق .. وانه قد مشى على هذه الأرض ذات يوم أديب وشاعر وفيلسوف وصوفى عملاق أضاء كالفرقد وما يزال .. اسمه ابن عربى ومن لم يفهم الرجل فعلى نفسه يبكى وصدق الزميل الذى كتب فى هذه  الصفحة قائلا اننا لوكنا طاوعنا المتطرفين من كل عصر لما بقى عندنا قرآن ولا سنة فقد رفضوا فى عهد عثمان بن عفان تدوين القران وجمعه كما رفضوا فيما بعد تدوين الأحاديث النبوية .. وقالوا هى بدعه لم نسمعها عن رسول الله .. وحقيقة القول ان المتطرفين من جميع الملل هم فى الواقع بلا ملة سوى ملة نفوسهم

بقلم الدكتور مصطفى محمود

4-1-1979

2 التعليقات:

  1. هو اللي عرفني يعني ايه تصوف

    الله يرحمك يا دكتور

    ----------------

    ازيك يابشمهندس .. عامل ايه .. واحشني و الله .. الله يباركلك على المجهود اللي انت عامله ربنا يوفقك

    محمد

    ردحذف
  2. للأسف اللي بيحصل ده قلة أدب..بقينا شبه أوروبا في العصور الوسطي...اللي مش عاجبه الكتاب ميقرهوش وخلاص !

    ردحذف