الحسنة والسيئة شيخ الإسلام ابن تيمية

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم &; فصل &# في قوله تعالى ^ وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ وبعض ما تضمنته من الحكم العظيمة 


سياق الاية & #1 هذه الآية ذكرها الله في سياق الأمر بالجهاد وذم الناكثين عنه قال تعالى ^ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ^ الآيات إلى أن ذكر صلاة الخوف وقد ذكر قبلها طاعة الله وطاعة الرسول والتحاكم إلى الله والرسول ورد ما تنازع فيه الناس إلى الله وإلى الرسول وذم الذين يتحاكمون ويردون ما تنازعوا فيه إلى غير الله والرسول # فكانت تلك الآيات تبيينا للإيمان بالله وبالرسول ولهذا قال فيها ^ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ^ # وهذا جهاد عما جاء به الرسول وقد قال تعالى ^ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ^ وقال

تعالى ^ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ^ وقال ^ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كما آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ^ الآية # 



وقال تعالى ^ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ^ 

# وذكر بعد آيات الجهاد إنزال الكتاب على رسول الله ليحكم بين الناس بما أراه الله ونهيه عن ضد ذلك وذكره فضل الله عليه ورحمته في حفظه وعصمته من إضلال الناس له وتعليمه ما لم يكن يعلم وذم من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين وتعظيم أمر الشرك وشديد خطره وأن الله لا يغفره ولكن يغفر ما دونه لمن يشاء إلى أن بين أن أحسن الأديان دين من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا بشرط أن تكون عبادته بفعل

الحسنات التي شرعها لا بالبدع والأهواء وهم أهل ملة إبراهيم الذين اتبعوا ملة ابراهيم حنيفا ^ واتخذ الله ابراهيم خليلا ^ # فكان في الأمر بطاعة الرسول والجهاد عليها اتباع التوحيد وملة إبراهيم وهو إخلاص الدين لله وأن يعبد الله بما أمر به على ألسن رسله من الحسنات 

# وقد ذكر تعالى في ضمن آيات الجهاد ذم من يخاف العدو ويطلب الحياة وبين أن ترك الجهاد لا يدفع عنهم الموت بل أينما كانوا أدركهم الموت ولو كانوا في بروج مشيدة فلا ينالون بترك الجهاد منفعة بل لا ينالون إلا خسارة الدنيا والآخرة فقال تعالى ^ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو اشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ^

# وهذا الفريق قد قيل إنهم منافقون وقيل نافقوا لما كتب عليهم القتال وقيل بل حصل منهم جبن وفشل فكان في قلوبهم مرض كما قال تعالى ^ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف الآية ^

وقال تعالى ^ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ^ # والمعنى متناول لهؤلاء ولهؤلاء ولكل من كان بهذه الحال # ثم قال ^ اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقون حديثا ^

# فالضمير في قوله ^ وإن تصبهم ^ يعود إلى من ذكر وهم ^ الذين يخشون الناس ^ أو يعود إلى معلوم وإن لم يذكر كما في مواضع كثيرة # وقد قيل إن هؤلاء كانوا كفارا من اليهود وقيل كانوا منافقين وقيل بل كانوا من هؤلاء وهؤلاء والمعنى يعم كل من كان كذلك ولكن تناوله لمن أظهر الإسلام وأمر بالجهاد أولى # ثم إذا تناول الذم فهو للكفار الذين لا يظهرون الإسلام أولى وأحرى & المراد بالحسنة والسيئة عند عامة المفسرين & #2 والذي عليه عامة المفسرين أن الحسنة والسيئة يراد بهما النعم والمصائب ليس المراد مجرد ما يفعله الإنسان باختياره باعتباره من الحسنات أو السيئات & فصل معنى الحسنات والسيئات في كتاب الله & 

#3 ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يتناول هذا وهذا قال الله تعالى عن المنافقين ^ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ^ وقال تعالى ^ إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون ^ وقال تعالى ^ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ^ وقال تعالى ^ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ^ وقال تعالى في حق الكفار المتطيرين بموسى ومن معه ^ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه

وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ^ ذكر هذا بعد قوله ^ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ^ & المأمور به والمنهي عنه & 

#4 وأما الأعمال المأمور بها والمنهي عنها ففي مثل قوله تعالى ^ من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ^ وقوله تعالى ^ إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ^ وقوله تعالى ^ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ^ & معنى التعبير بما أصابك & 

#5 وهنا قال ^ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ ولم يقل وما فعلت وما كسبت كما قال ^ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ^ وقال تعالى ^ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ^ وقال تعالى ^ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ^ وقال تعالى ^ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ^ وقال تعالى ^ فأصابتكم مصيبة الموت ^ وقال تعالى ^ وبشر الصابرين

الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ^ # فلهذا كان قوله ما أصابك من حسنة ومن سيئة متناول لما يصيب الانسان ويأتيه من النعم التي تسره ومن المصائب التي تسوءه & آراء المفسرين & #6 فالآية متناولة لهذا قطعا وكذلك قال عامة المفسرين # قال أبو العالية إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله قال هذه في السراء ^ وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ^ قال وهذه في الضراء 

# وقال السدي إن تصبهم حسنة قالوا والحسنة الخصب ينتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان ^ قالوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة قالوا والسيئة الضرر في أموالهم تشاؤما بمحمد ^ قالوا هذه من عندك يقولون بتركنا ديننا واتباعنا محمد أصابنا هذا البلاء فأنزل الله ^ قل كل من عند الله ^ الحسنة والسيئة ^ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ^ قال القرآن

# وقال الوالبي عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال ما فتح الله عليك يوم بدر وكذلك قال الضحاك # وقال الوالبي أيضا عن ابن عباس من حسنة قال ما أصاب من الغنيمة والفتح فمن الله قال والسيئة ما أصابه يوم أحد إذ شج في وجهه

وكسرت رباعيته وقال أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك الله بها # وروى أيضا عن حجاج عن عطية عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال هذا يوم بدر ^ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ قال هذا يوم أحد يقول ما كان من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك # وكذلك روى ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح فمن نفسك قال فبذنبك وأنا قدرتها عليك روى هذه الآثار ابن أبي حاتم وغيره 

# وروى أيضا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال ما تريدون من القدر أما تكفيكم هذه الآية التي في سورة النساء ^ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ^ أي من نفسك والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا به وإليه يصيرون # وكذلك في تفسير أبي صالح عن ابن عباس ^ إن تصبهم حسنة ^ الخصب والمطر ^ وإن تصبهم سيئة ^ الجدب والبلاء # وقال ابن قتيبة ^ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ قال الحسنة النعمة والسيئة البلية

# وقد ذكر أبو الفرج في قوله ^ ما أصابك من حسنة ومن سيئة ^ ثلاثة اقوال # أحدها أن الحسنة ما فتح الله عليهم يوم بدر والسيئة ما أصابهم يوم أحد قال رواه ابن أبي طلحة وهو الوالبي عن ابن عباس # قال والثاني الحسنة الطاعة والسيئة المعصية قاله أبو العالية

# الثالث الحسنة النعمة والسيئة البلية قاله ابن منبه قال وعن أبي العالية نحوه وهو أصح & رأي ابن تيمية & #7 قلت هذا القول المعروف بالإسناد عن أبي العالية كما تقدم من تفسيره المعروف الذي يروى عنه هو وغيره من طريق أبي جعفر الداري عن الربيع بن أنس عنه وأمثاله 

# وأما الثاني فهو لم يذكر إسناده ولكن ينقل من كتب المفسرين الذين يذكرون أقوال السلف بلا إسناد وكثير منها ضعيف بل كذب لا يثبت عمن نقل عنه وعامة المفسرين المتأخرين أيضا يفسرونه على مثل أقوال السلف وطائفة منهم تحملها على الطاعة والمعصية 

# فأما الصنف الأول فهي تتناوله قطعا كما يدل عليها لفظها وسياقها ومعناها واقوال السلف # وأما المعنى الثاني فليس مرادا دون الأول قطعا ولكن قد يقال إنه مراد مع الأول باعتبار أن ما يهديه الله إليه من الطاعة هو نعمة في حقه من الله اصابته وما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته ونفسه التي عملت السيئة

# وإذا كان الجزاء من نفسه فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه مع أن الجميع مقدر كما تقدم وقد روي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ فمن نفسك وأنا قدرتها عليك

& فصل تتابع المعاصي & 


#8 والمعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى فتكون من سيئات الجزاء مع أنها من سيئات العمل # قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي الى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدوقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا & تتابع الحسنات & 

#9 وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى وكذلك السيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى قال تعالى ^ ولو أنهم فعلوا ما يوعظمون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ^ وقال تعالى ^ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ^ وقال تعالى ^ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ^ وقال تعالى ^ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى ^ وقال تعالى ^ وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ^ وقال تعالى ^ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين

من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ^ وقال تعالى ^ وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ^ وقال تعالى ^ هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ^ وقال تعالى ^ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ^ وقال تعالى ^ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ^ وقال تعالى ^ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ^ 

وقال تعالى ^ ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ^ وقال تعالى ^ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ^ 

وقال تعالى ^ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ^ وقال تعالى ^ قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ^ & تحكيم السنة وتحكيم الهوى & 

#10 قال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لأن

قلت وقد قال في آخر السورة ^ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ^ وقال تعالى ^ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ^ قال تعالى ^ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ^ وقال تعالى ^ وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين إلى قوله ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين ^ وقال تعالى ^ وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون

^ وقال تعالى أيضا ^ وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ^ وقال تعالى ^ فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ^ وقال تعالى ^ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلن تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا

^ وقال تعالى في النوعين ^ إذ يوحي ربك إلى الملائكة اني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ^ وقال تعالى ^ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ^ وقال تعالى ^ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا

وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ^ وقال تعالى ^ لن يضروكم إلا اذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ^ وقال تعالى ^

ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ^ وقال تعالى ^ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ^ وقال تعالى ^ 

فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ^ وقال تعالى ^ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم

يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ^ وقال تعالى ^ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ^ وقال تعالى في ضد هذا ^ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما إلى قوله ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ^ # وتوليتهم الأدبار ليس مما نهو عنه ولكن هو من جزاء أعمالهم وهذا باب واسع & فصل شرور الأنفس & 

#11 وإذا كانت السيئات التي يعملها الإنسان قد تكون من جزاء سيئات تقدمت وهي مضرة جاز أن يقال هي مما أصابه من السيئات وهي بذنوب تقدمت # وعلى كل تقدير فالذنوب التي يعملها هي من نفسه وإن كانت مقدرة عليه فإنه إذا كان الجزاء الذي هو مسبب عنها من نفسه فعمله الذي هو ذلك الجزاء من نفسه بطريق الأولى وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا

# وقال أبو بكر رضي الله عنه علمني دعاء فقال قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك # فقد بين أن قوله فمن نفس يتناول العقوبات على الأعمال ويتناول الأعمال مع أن الكل بقدر الله & فصل الرد على القدرية & 

#12 وليس للقدرية أن يحتجوا بالآية لوجوه منها أنهم يقولون فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله بل الله قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات لكن هذا عندهم أحدث إرادة فعل بها الحسنات وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات وليس واحد منهما من إحداث الرب عندهم # والقرآن قد فرق بين الحسنات والسيئات وهم لا يفرقون في الأعمال بين الحسنات والسيئات إلا من جهة الأمر لا من جهة كون الله خلق فيه الحسنات دون السيئات بل هو عندهم لم يخلق لا هذا ولا هذا # ولكن منهم من يقول بأنه يحدث من الأعمال الحسنة والسيئة ما يكون جزاء كما يقوله أهل السنة # لكنا على هذا فليست عندهم كل الحسنات من الله ولا كل السيئات بل بعض هذا وبعض هذا # الثاني أنه قال ^ كل من عند الله ^ فجعل الحسنات من عند الله كما جعل

السيئات من عند الله وهم لا يقولون بذلك في الأعمال بل في الجزاء # وقوله بعد هذا ^ ما أصابك من حسنة ومن سيئة ^ مثل قوله ^ وإن تصبهم حسنة ^ وقوله ^ وإن تصبهم سيئة ^ # الثالث أن الآية بها النعم والمصائب كما تقدم وليس للقدرية المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفي أعمالهم التي استحقوا بها العقاب فإن قوله ^ كل من عند الله ^ هو النعم والمصائب ولأن قول ^

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ حجة عليهم وبيان أن الإنسان هو فاعل السيئات وأنه يستحق عليها العقاب والله ينعم عليه بالحسنات عملها وجزائها فإنه إذا كان ما أصابهم من حسنة فهو من الله فالنعم من الله سواء كانت ابتداء أو كانت جزاء وإذا كانت جزاء وهي من الله فالعمل الصالح الذي كان سببها هو أيضا من الله أنعم بهما الله على العبد وإلا فلو كان هو من نفسه كما كانت السيئات من نفسه لكان كل ذلك من نفسه والله تعالى قد فرق بين النوعين في الكتابة والسنة كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله يا عبادي إنما هي أعمالكم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وقال تعالى ^ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم إنى هذا قل هو من عند أنفسكم ^ وقال تعالى ^ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقطنون ^ وقال تعالى ^ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ^ وقال تعالى ^ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ^ وقال تعالى ^ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ^ وقال تعالى ^ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ^

# وقال تعالى للمؤمنين ^ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق العصيان أولئك هم الراشدون ^ وقد أمروا أن يقولوا في الصلاة ^ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ^ & فصل لا إشكال في الآية & 

#13 وقد ظن طائفة أن في الآية إشكالا أو تناقضا في الظاهر حيث قال ^ كل من عند الله ^ ثم فرق بين الحسنات والسيئات فقال ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وهذا من قلة فهمهم وعدم تدبرهم الآية وليس في الآية تناقض لا في ظاهرها ولا في باطنها لا في لفظها ولا معناها فإنه ذكر عن المنافقين والذين في قلوبهم مرض الناكصين عن الجهاد ما ذكره بقوله ^ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ^ هذا يقولونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي بسبب ما أمرتنا به من دينك والرجوع عما كنا عليه أصابتنا هذه السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيئات هي المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هو أمرهم بها # وقولهم ^ من عندك ^ تتناول مصائب الجهاد التي توجب الهزيمة لأنه أمرهم بالجهاد وتتناول أيضا مصائب الرزق على جهة التشاؤم والتطير أي هذا عقوبة لنا بسبب دينك كما كان قوم فرعون يتطيرون بموسى وبمن معه

وكما قال أهل القرية للمرسلين ^ إنا تطيرنا بكم ^ وكما قال الكفار من ثمود لصالح ولقومه ^ اطيرنا بك وبمن معك ^ فكانوا يقولون عما يصيبهم من الحرب والزلزال والجراح والقتل وغير ذلك مما يحصل من العدو هو منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك ويقولون عن هذا وعن المصائب السماوية إنها منك أي بسبب طاعتنا لك واتباعنا لدينك أصابتنا هذه المصائب كما قال تعالى ^ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ^ # فهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول وفعل ما بعث به مسببا لشر اصابه إما من السماء وإما من آدمي وهؤلاء كثيرون # لم يقولوا هذا من عندك بمعنى أنك أنت الذي أحدثتها فإنهم يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث شيئا من ذلك ولم يكن قولهم من عندك خطابا من بعضهم لبعض بل هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم & قول أعداء الرسل & 

#14 ومن فهم هذا تبين له أن قوله ^ ما اصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ لا يناقض قوله ^ كل من عند الله ^ بل هو محقق له لأنهم هم ومن أشبههم إلى يوم القيامة يجعلون ما جاء به الرسول والعمل به سببا لما قد يصيبهم من مصائب وكذلك من أطاعه إلى يوم القيامة # وكانوا تارة يقدحون فيما جاء به ويقولون ليس هذا مما أمر الله به ولو كان مما أمر الله به لما جرى على أهله هذا البلاء

وتارة لا يقدحون في الأصل لكن يقدحون في القضية المعينة فيقولون هذا بسوء تدبير الرسول كما قال عبد الله بن أبي بن سلول يوم أحد إذ كان رأيه مع رأي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجوا من المدينة فسأله صلى الله عليه وسلم ناس ممن كان لهم رغبة في الجهاد أن يخرج فوافقهم ودخل بيته ولبس لامته فلما لبس لأمته ندموا وقال للنبي صلى الله عليه وسلم أنت أعلم فإن شئت أن لا نخرج فلا نخرج فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه يعني أن الجهاد يلزم بالشروع كما يلزم الحج لا يجوز ترك ما شرع فيه منه إلا عند العجز بالإحصار في الحج & فصل تطيرهم بالمرسلين & 

#15 والمفسرون ذكروا في قوله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك هذا وهذا # فعن ابن عباس والسدي وغيرهما أنهم يقولون هذا تشاؤما بدينه وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال بسوء تدبيرك يعني كما قاله عبد الله ابن أبي وغيره يوم أحد وهم كالذين ^ قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ^ # فبكل حال قولهم من عندك هو طعن فيما أمر الله به ورسوله من الإيمان والجهاد وجعل ذلك هو الموجب للمصائب التي تصيب المؤمنون المطيعين كما أصابتهم يوم أحد وتارة تصيب عدوهم فيقول الكافرون هذا بشؤم هؤلاء كما قال أصحاب القرية للمرسلين ^ إنا تطيرنا بكم ^ وكما قال تعالى عن آل فرعون ^ فإذا جاءتهم حسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم

سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ^ وقال الله تعالى عن قوم صالح ^ قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ^ ولما قال أهل القرية ^ إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ^ # قال الضحاك في قوله ^ ألا إنما طائرهم عند الله ^ يقول الأمر من قبل الله ما أصابكم من أمر فمن الله بما كسبت أيديكم وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس معايبكم وقال قتادة عملكم عند الله # وفي رواية غير علي عملكم عند الله ^ ولكنكم قوم تفتنون ^ أي تبتلون بطاعة الله ومعصيته رواهما ابن أبي حاتم وغيره # وعن ابن اسحاق قال قالت الرسل ^ طائركم معكم ^ أي أعمالكم & معنى الطائر &

#16 فقد فسروا الطائر بالأعمال وجزائها لأنهم كانوا يقولون إنما اصابنا ما أصابنا من المصائب بذنوب الرسل وأتباعهم # فبين الله سبحانه أن طائرهم وهو الأعمال وجزاؤها هو عند الله وهو معهم فهو معهم لأن أعمالهم وما قدر من جزائها معهم كما قال تعالى ^ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ^ وهو من الله لأن الله تعالى قدر تلك المصائب بأعمالهم فمن عنده تتنزل عليهم المصائب جزاء على أعمالهم لا بسبب الرسل وأتباعهم # وفي هذا يقال إنهم إنما يجزون بأعمالهم لا بأعمال غيرهم ولذلك قال

في هذه الآية لما كان المنافقون والكفار ومن في قلبه مرض يقول هذا الذي أصابنا هو بسبب ما جاء به محمد عقوبة دينية وصل الينا بين سبحانه أن ما أصابهم من المصائب إنما هو بذنوبهم # ففي هذا رد على من أعرض من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبه تلك المصائب وعلى من انتسب إلى الإيمان بالرسول ونسبها إلى فعل ما جاء به الرسول وعلى من أصابته مع كفره بالرسول ونسبها إلى ما جاء به الرسول & فصل طاعة الرسول فتح وخير &

#17 والمقصود أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس سببا لشيء من المصائب ولا تكون طاعة الله ورسوله قط سببا لمصيبة بل طاعة الله والرسول لا تقتضي إلا جزاء أصحابها بخيري الدنيا والآخرة ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم لا بما أطاعوا فيه الله والرسول كما لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم لا بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم & الابتلاء & 

#18 وكذلك ما ابتلوا به في السراء والضراء والزلزال ليس هو بسبب نفس إيمانهم وطاعتهم لكن امتحنوا به ليتخلصوا مما فيهم من الشر وفتنوا به كما يفتن الذهب بالنار ليتميز طيبه من خبيثه والنفوس فيها شر والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه قال تعالى ^ وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ^ قال

تعالى ^ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ^ ولهذا قال صالح عليه السلام لقومه ^ طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ^ & المصاب أجر للمؤمنين & #19 ولهذا كانت المصائب تكفر سيئات المؤمنين وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم وما أصابهم في الجهاد من مصائب بأيدي العدو فإنه يعظم اجرهم بالصبر عليها # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من غازية يغزون في سبيل الله فيسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم وإن أصيبوا وأخفقوا أتم لهم أجرهم # 

وأما ما يلحقهم من الجوع والعطش والتعب فذاك يكتب لهم به عمل صالح كما قال تعالى ^ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيط الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ^

وشواهد هذا كثيرة & فصل محمد لا يأتي من عند نفسه لا بنعمة ولا بمصيبة & #20 والمقصود أن قوله إنهم تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فإنهم جعلوا ما يصيبهم من المصائب بسبب ما جاءهم به الرسول وكانوا يقولون النعمة التي تصيبنا هي من عند الله والمصيبة من عند محمد أي بسبب دينه وما أمر به

فقال تعالى قل هذا وهذا من عند الله لا من عند محمد محمد لا يأتي لا بنعمة ولا بمصيبة ولهذا قال بعد هذا ^ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ^ # قال السدي وغيره هو القرآن فإن القرآن إذا هم فقهوا ما فيه تبين لهم أنه إنما أمرهم بالخير والعدل والصدق والتوحيد لم يأمرهم بما يكون سببا للمصائب فإنهم إذا فهموا ما في القرآن علموا أنه لا يكون سببا للشر مطلقا # 

وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم بالأمر به حسنه ونفعه وأنه مصلحة للعباد وليس كما يقول من يقول قد يأمر الله العباد بما لا مصلحة لهم فيه إذا فعلوه بل فيه مضرة لهم # فإنه لو كان كذلك لكان قد يصدقه المتطيرون بالرسل وأتباعهم # ومما يوضح ذلك أنه لما قال ^ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ^ قال بعدها ^ وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ^ 

فإنه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات والمعجزات وإذا شهد الله له كفى به شهيدا ولم يضره جحد هؤلاء لرسالته بما ذكروه من الشبه التي هي عليهم لا لهم بما أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتهم حجة على إبطال رسالته والله تعالى قد شهد له أنه أرسله للناس رسولا فكان ختم الكلام بهذا إبطالا لقولهم إن المصائب من عند الرسول ولهذا قال بعد هذا ^ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ^

0 التعليقات

إرسال تعليق