التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا تمرض نفوسنا؟!!

بقلم الدكتور/ مصطفى محمود

المؤمن لا يعرف شيئا اسمه المرض النفسي لأنه يعيش في حالة قبول و انسجام مع كل ما يحدث له من خير و شر.. فهو كراكب الطائرة الذي يشعر بثقة كاملة في قائدها و في أنه لا يمكن أن يخطئ لأن علمه بلا حدود، و مهاراته بلا حدود.. فهو سوف يقود الطائرة بكفاءة في جميع الظروف و سوف يجتاز بها العواصف و الحر و البرد و الجليد و الضباب.. و هو من فرط ثقته ينام و ينعس في كرسيه في اطمئنان و هو لا يرتجف و لا يهتز اذا سقطت الطائرة في مطب هوائي أو ترنحت في منعطف أو مالت نحو جبل.. فهذه أمور كلها لها حكمة و قد حدثت بارادة القائد و علمه و غايتها المزيد من الأمان فكل شيء يجري بتدبير و كل حدث يحدث بتقدير و ليس في الامكان أبدع مما كان.. و هو لهذا يسلم نفسه تماما لقائده بلا مساءلة و بلا مجادلة و يعطيه كل ثقته بلا تردد و يتمدد في كرسيه قرير العين ساكن النفس في حالة كاملة من تمام التوكل.

و هذا هو نفس احساس المؤمن بربه الذي يقود سفينة المقادير و يدير مجريات الحوادث و يقود الفلك الأعظم و يسوق المجرات في مداراتها و الشموس في مطالعها و مغاربها.. فكل ما يجري عليه من أمور مما لا طاقة له بها، هي في النهاية خير.

اذا مرض و لم يفلح الطب في علاجه.. قال في نفسه.. هو خير.. و اذا احترقت زراعته من الجفاف و لم تنجح وسائله في تجنب الكارثة.. فهي خير.. و سوف يعوضه الله خيرا منها.. و اذا فشل في حبه.. قال في نفسه حب فاشل خير من زيجة فاشلة.. فاذا فشل زواجه.. قال في نفسه الحمد لله أخذت الشر و راحت.. و الوحدة خير لصاحبها من جليس السوء.. و اذا أفلست تجارته قال الحمد لله لعل الله قد علم أن الغنى سوف يفسدني و أن مكاسب الدنيا ستكون خسارة علي في الآخرة.. و اذا مات له عزيز.. قال الحمدلله.. فالله أولى بنا من أنفسنا و هو الوحيد الذي يعلم متى تكون الزيادة في أعمارنا خيرا لنا و متى تكون شرا علينا.. سبحانه لا يسأل عما فعل.

و شعاره دائما: (و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لاتعلمون)

و هو دائما مطمئن القلب ساكن النفس يرى بنور بصيرته أن الدنيا دار امتحان و بلاء و أنها ممر لا مقر، و أنها ضيافة مؤقتة شرها زائل و خيرها زائل.. و أن الصابر فيها هو الكاسب و الشاكر هو الغالب.

لا مدخل لوسواس على قلبه و لا لهاجس على نفسه، لأن نفسه دائما مشغولة بذكر العظيم الرحيم الجليل و قلبه يهمس: الله.. الله.. مع كل نبضة، فلا يجد الشيطان محلا و لا موطئ قدم و لا ركنا مظلما في ذلك القلب يتسلل منه.

و هو قلب لا تحركه النوازل و لا تزلزله الزلازل لأنه في مقعد الصدق الذي لا تناله الأغيار.

و كل الأمراض النفسية التي يتكلم عنها أطباء النفوس لها عنده أسماء أخرى:

الكبت اسمه تعفف

و الحرمان رياضة

و الاحساس بالذنب تقوى

و الخوف (و هو خوف من الله وحده) عاصم من الزلل

و المعاناة طريق الحكمة

و الحزن معرفة

و الشهوات درجات سلم يصعد عليها بقمعها و يعلو عليها بكبحها الى منازل الصفاء النفسي و القوة الروحية

و الأرق.. مدد من الله لمزيد من الذكر.. و الليلة التي لا ينام فيها نعمة تستدعي الشكر و ليست شكوى يبحث لها عن دواء منوم فقد صحا فيها الى الفجر و قام للصلاة

و الندم مناسبة حميدة للرجوع الى الحق و العودة الى الله

و الآلا م بأنواعها الجسدي منها و النفسي هي المعونة الالهية التي يستعين بها على غواية الدنيا فيستوحش منها و يزهد فيها

و اليأس و الحقد و الحسد أمراض نفسية لا يعرفها و لا تخطر له على بال

و الغل و الثأر و الانتقام مشاعر تخطاها بالعفو و الصفح و المغفرة

و هو لا يغضب الا لمظلوم و لا يعرف العنف الا كبحا لظالم

و المشاعر النفسية السائدة عنده هي المودة و الرحمة و الصبر و الشكر و الحلم و الرأفة و الوداعة و السماحة و القبول و الرضا

تلك هي دولة المؤمن التي لا تعرف الأمراض النفسية و لا الطب النفسي..

و الأصنام المعبودة مثل المال و الجنس و الجاه و السلطان، تحطمت و لم تعد قادرة على تفتيت المشاعر و تبديد الانتباه.. فاجتمعت النفس على ذاتها و توحدت همتها، و انقشع ضباب الرغبات و صفت الرؤية و هدأت الدوامة و ساد الاطمئنان و أصبح الانسان أملك لنفسه و أقدر على قيادها و تحول من عبد لنفسه الى حر بفضل الشعور بلا اله الا الله.. و بأنه لا حاكم و لا مهيمن و لا مالك للملك الا واحد، فتحرر من الخوف من كل حاكم و من أي كبير بل ان الموت أصبح في نظره تحررا و انطلاقا و لقاء سعيد بالحبيب.

اختلفت النفس و أصبحت غير قابلة للمرض.. و ارتفعت الى هذه المنزلة بالايمان و الطاعة و العبادة فأصبح اختيارها هو ما يختاره الله، و هواها ما يحبه الله.. و ذابت الأنانية و الشخصانية في تلك النفس فأصبحت أداة عاملة و يدا منفذة لارادة ربها. و هذه النفس المؤمنة لا تعرف داء الاكتئاب، فهي على العكس نفس متفائلة تؤمن بأنه لا وجود للكرب مادام هناك رب.. و أن العدل في متناولنا مادام هناك عادل.. و أن باب الرجاء مفتوح على مصراعيه مادام المرتجى و القادر حيا لا يموت.

و النفس المؤمنة في دهشة طفولية دائمة من آيات القدرة حولها و هي في نشوة من الجمال الذي تراه في كل شيء.. و من ابداع البديع الذي ترى آثاره في العوالم من المجرات الكبرى الى الذرات الصغرى.. الى الالكترونات المتناهية في الصغر.. و كلما اتسعت مساحة العلم اتسع أمامها مجال الادهاش و تضاعفت النشوة.. فهي لهذا لا تعرف الملل و لا تعرف البلادة أو الكآبة.

و حزن هذه النفس حزن مضيء حافل بالرجاء، و هي في ذروة الألم و المأساة لا تكف عن حسن الظن بالله.. و لا يفارقها شعورها بالأمن لأنها تشعر بأن الله معها دائما، و أكثر ما يحزنها نقصها و عيبها و خطيئتها.. لا نقص الآخرين و عيوبهم.. و لكن نقصها لا يقعدها عن جهاد عيوبها.. فهي في جهاد مستمر و في تسلق مستمر لشجرة خطاياها لتخرج من مخروط الظل الى النور المنتشر أعلى الشجرة لتأخذ منه الحياة لا من الطين الكثيف أسفل السلم.

انها في صراع وجودي و في حرب تطهير باطنية.. و لكنه صراع هادئ واثق لا يبدد اطمئنانها و لا يقتلع سكينتها لأنها تشعر بأنها تقاتل باطلها بقوة الله و ليس بقوتها وحدها.. و الاحساس بالمعية مع الله لا يفارقها، فهي في أمن دائم رغم هذا القتال المستمر لأشباح الهزيمة و لقوى العدمية بداخلها.. فهي ليست وحدها في حربها.

ذلك هو الجهاد الأكبر الذي يشغل النفس عن التفاهات و الشكايات و الآلام الصغيرة و يحفظها من الانكفاء على ذاتها و الرثاء لنفسها و الاحتفاء بمواهبها.. فهي مشغولة عن نفسها بتجاوز نفسها و تخطي نفسها و العلو على ذاتها.. فهي في رحلة خروج مستمرة.. رحلة تخطي و صعود، و دستورها هو: (أن تقاوم أبدا ما تحب و تتحمل دائما ما تكره)

و مشاعر هذه النفس منسابة مع الكون متآلفة مع قوانينه متوافقة مع سننه متكيفة بسهولة مع المتغيرات حولها.. فيها سلاسة طبيعية و بساطة تلقائية.. تلتمس الصداقة مع كل شيء.. و مثالها الكامل هو النبي محمد صلى الله عليه و سلم حينما كان يحتضن جبل أحد و يقول: هذا جبل يحبنا و نحبه.. فالمحبة الشاملة هي أصل جميع مشاعرها.. انها في صلح دائم مع الطبيعة و مع القدر و مع الله.. و الوحدة بالنسبة لهذه النفس ليست وحشة بل أنس.. و ليست خواء بل امتلاء.. و ليست فراغا بل انشغال.. و ليست صمتا.. بل حوار داخلي و استشراف نوراني.. و هي ليست وحدة بل حضن آمن.. و عذابها الوحيد هو خطيئتهاو احساسها بالبعد و الانفصال عن خالقها.. و هو عذاب يخفف منه الايمان بأن الله عفو كريم تواب يحب عباده الأوابين المستغفرين.. و هي أقرب ما تكون الى ربها و هي ساجدة ذائبة حبا و خشوعا.. يقول بعض الأولياء الصالحين: نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف، و لكن أنى للملوك أن يعرفوها و هم غرقى الدنيا و سجناء ماديتها.

ان السبيل الى ميلاد تلك النفس و خروجها من شرنقتها الطينية هو الدين و الطاعة و المجاهدة و لا يوجد سبيل آخر لميلادها.. فالعلم لا يلد الا غرورا و الفن لا يلد الا تألها.. و الدين وحده هو المحضن الذي تتكامل فيه النفس و تبلغ غايتها.

و بين العلماء مرضى نفوس مشغولون باختراع القنابل و الغازات السامة.

و بين الفنانين متألهون غرقى اللذائذ الحسية

و الدين وحده هو سبيل النفس الى كمالها و نجاتها و شفائها

و النفس المؤمنة نفس عاملة ناشطة في خدمة اللآخرين و نجدتهم لا يقطعها تأملها عن الشارع و السوق و زحام الأرزاق.. و العمل عندها عبادة.. و العرق و الكدح علاج و دواء و شفاء من الترف و أمراض الكسل و التبطل.. حياتها رحلة أشواق و مشوار علم و رسالة خدمة.. و العمل بابها الى الصحة النفسية.. و منتهى أملها أن تظل قادرة على العمل حتى النفس الأخير و أن تموت و هي تغرس شجرة أو تبني جدارا أو توقد شمعة.. تلك النفس هي قارب نجاة، و هي في حفظ من أي مرض نفسي، و لا حاجة بها الى طب هذه الأيام، فحياتها في ذاتها روشتة سعادة..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل كان لنا وجود قبل ان نولد؟

يلازمنى إحساس منذ بدأت أعى وادرك وجودى أنى كنت موجودا دائما وأنى حقيقة ولست أمرا طرا بالميلاد وأنى كنت هنا أو هناك فى مكان أو لا مكان لست أدرى .. انما هو إحساس دائم ومؤكد بالحضور لا أعلم كنهة ومصدره .. وكل ما يحدث أمامى الان هو مرور شريط متتابع لأحداث متتالية لماضى وحاضر ..
وهو شريط يمر أمامى ولكنى فى الأعماق خارج عن هذا الشريط واقف على عتبة حضور مستمر وأنية مطلقة لا تعرف تزامنا .. اراقب تصاريف الزمن امامى عن بعد واراقب طفولتى وصباى وشبابى وشيخوختى دون أن تدركنى انا اى شيخوخة فأنا .. ذاتى .. شباب دائم وحضور دائم ويؤيد هذا الاحساس الداخلى حقائق الدين التى تقول بأنى احاسب واعاقب واموت وانما انتقل الى حياة برزخية ثم الى بعث ثم الى خلود فى نعيم أو خلود فى شقاء .. فانا اذن خالد ..
وانا لست مسالة طارئة استجدت بالميلاد وستنتهى بالموت ومنطقية لو انى كنت امرا طارئا زائلا لما كنت حقيقة بل مجرد ظاهرة موقوتة تلمع لم تختفى فلا تعود هناك حكمة فى بعث وحساب وعقاب .. وعلام العقاب ولا حقيقة هناك .. وفى القران الكريم اشارة خاطفة الى هذه السابقة الوجودية قبل
الميلاد ” “لقد خلقنا الانسان فى احسن تق…

كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

بقلم : محمد عوض الحنشي

قال تعالى (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِالْمُؤْمِنُونَ )التوبة51. ويقول ايضاً ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )آل عمران 139. قال عامر بن قيس : ثلاث آيات من كتاب الله استغنيت بهن على ما أنافيه
قرأت قول الله تعالى :(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ)الأنعام17 فعلمت وأيقنت أن الله إذا أراد بي ضر لم يقدر أحد على وجه الأرض أن يدفعه عني وإن اراد أن يعطيني شيئاً لم يقدر أحد أن يأخذه مني .
وقرأت قوله تعالى :
(فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ )البقرة 152
فاشتغلت بذكره جل وعلا عمّا سواه .
وقرأت قوله تعالى : (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)هود6
فعلمت وايقنت وازددت ثقة بأن رزقي الله لن يأخذه أحد غيري .

تعرف على أبرز المفكرين العرب والمسلمين

للاسف الشديد معظمنا يفتقر الى معلومات عن مفكرين هذا العصر نظرا لان اهتمامتنا الثقافية لا تلتف كثيرا الى السير الشخصية لهؤلاء العظماء على اعتقاد منا ان قراءة السير الشخصية غير مجدى ، وهو امر خاطئ...
حيث ان كونهم عظماء لم ياتى من فراغ ولكن كان نتاج كفاح طويل اما ضد محتمل او حتى ضد افكار خاطئة ، ولذلك قراءة سير المفكرين عموما وخصوصا المفكرين العرب والمسلمين هو امر مفيد للغاية ، حيث الاستفادة من تاريخ هؤلاء ...
لذلك اضع بين ايدى حضراتكم اليوم هذه القائمة التى وجدتها مصادفتا على ويكيبديا والذى تضم قائمة بأسماء أبرز المفكرين العرب والمسلمين ... تستطيع من خلالها التعرف على معظم هذه الشخصيات وعلى سبيل المثال تضم القائمة الاسماء التالية: