هل كان لنا وجود قبل ان نولد؟

يلازمنى إحساس منذ بدأت أعى وادرك وجودى أنى كنت موجودا دائما وأنى حقيقة ولست أمرا طرا بالميلاد وأنى كنت هنا أو هناك فى مكان أو لا مكان لست أدرى .. انما هو إحساس دائم ومؤكد بالحضور لا أعلم كنهة ومصدره .. وكل ما يحدث أمامى الان هو مرور شريط متتابع لأحداث متتالية لماضى وحاضر ..

وهو شريط يمر أمامى ولكنى فى الأعماق خارج عن هذا الشريط واقف على عتبة حضور مستمر وأنية مطلقة لا تعرف تزامنا .. اراقب تصاريف الزمن امامى عن بعد واراقب طفولتى وصباى وشبابى وشيخوختى دون أن تدركنى انا اى شيخوخة فأنا .. ذاتى .. شباب دائم وحضور دائم
ويؤيد هذا الاحساس الداخلى حقائق الدين التى تقول بأنى احاسب واعاقب واموت وانما انتقل الى حياة برزخية ثم الى بعث ثم الى خلود فى نعيم أو خلود فى شقاء ..
فانا اذن خالد ..

وانا لست مسالة طارئة استجدت بالميلاد وستنتهى بالموت ومنطقية لو انى كنت امرا طارئا زائلا لما كنت حقيقة بل مجرد ظاهرة موقوتة تلمع لم تختفى فلا تعود هناك حكمة فى بعث وحساب وعقاب .. وعلام العقاب ولا حقيقة هناك ..
وفى القران الكريم اشارة خاطفة الى هذه السابقة الوجودية قبل
الميلاد ” “لقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين الا الذين امنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غير ممنون” 4-التين
ومعنى ذلك انه كان هناك خلق أولى على احسن تقويم ..
 
وهذه الخلقة لا يمكن ان تكون خلقتنا التى نعرفها فى الدنيا بجسمنا الذى يتعب ويمرض ويتلف ويشيخ ويموت
والله يصف كمال خلقه السماء فيقول ” افلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج” 6-ق
اى ليس بها ثغرات أو نقاط ضعف ومع ذلك فقد جعل الله فى خلقتنا فرجا وثغرة هى مدخل الشهوة والهوى بل انه سمى هذا الفرج سوأة وعورة وقال فى ما فعل ابليس بآدم وحواء بأنه ” ينزع عنهما لباسمهما ليريهما سوأتهما ” 27-الاعراف
فكيف يكون الخلق الذى جعله الله فى احسن تقويم ثغرة وسوأة وعورة ولماذا سمى حياتنا هنا بالحياة الدنيا (أى الواطئه والسافلة) الا ان تكون تلك الحياة هى اسفل سافلين التى رددنا جميعا اليها بعد النشآة الكاملة فى أحسن تقويم .. أهبطنا الله فى هذه الجبلة الطينية التى بها الفرج والسواة لنعيش حياة الابتلاء والمعاناة والمكابدة .. ” ولقد خلقنا الانسان فى كبد ” يحرمنا مما نحب ويحملنا ما نكرة ليرى كيف يكون صبرنا واحتمالنا ولتظهر بذلك صفاتنا

وانما يظهر الانسان على حقيقته اذا جعل ما يكره  فهنا تفاضل النفوس فهناك نفس تحمد وتشكر ولا تعترض وتفوض الامر الى الله وهناك نفس تعاتب بها وتحتج .. وهناك نفس  تسب الملة والدين وتتشاجر مع الله ومع الناس .. وهناك نفس تتعجل فتسرق  وتقتل وتعتدى لتصلح حالها وتنهى حرمانها ..

وهكذا تتفاضل النفوس وتظهر الحقائق ومن أجل هذا خلق الله الدنيا وانزلنا الله هذا المنزل فى اسفل سافلين لتظهر لنا حقائقنا
وما خلق الله السموات والأرض الا بالحق وللحق ولاظهار الحق وفى أية أخرى يقول ” نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ” 28-الانسان
ولقد فهم السلف ” شد الأسر ” بأنه أشبه بشد دعائم البناء وتقويته .. ولكنى اقول ولماذا لا نأخذ المعنى على ظاهرة بأن الله وضعنا فى الأسر فى أسر هذه الجبلة الطينية وشد وثاقنا وبهذا انزلنا من مرتبة الخلق فى أحسن تقويم الى عالم أسفل سافلين وهو انضباط عام لا استثناء فيه .. وانما استثناء الصالحين فى الاية .. هو استثناء فى الأجر بعد الموت

” الا الذين أمنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غير ممنون “
فالصالحون أيضا يردون معنا الى اسفل سافلين ولكن لانهم صبروا واحتسبوا وسابقوا الى الخيرات فلهم بعد الموت والخروج من عالم اسفل سافلين اجر غير مقطوع فى الجنة .. أما المجرمون فمصيرهم بعد الخروج من اسفل سافلين بالموت العقاب بأسفل سافلين أخرى هى العذاب الأبدي فى الآخرة .. فهم فى اسفل سافلين أبدا ..

ثم أننا نرى إشارات أخرى لهذه السابقة وهذا الوجود العلوي فى احسن تقويم قبل النزول الى أرحام ” وإذا اخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ” 81- ال عمران
اين وكيف جمع الله النبيين واذ عليهم الميثاق مجتمعين ونحن نعلم انهم جاءوا الى الدنيا متفرقين متباعدين بالموت والميلاد الا ان تكون تلك الجمعية حدثت فى عالم آخر ومستوى آخر من الخلق

ثم لماذا يقول المجرمون يوم انكشاف الحقائق ساعة البعث والحساب ” ربنا امتنا اثنتين أحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من
سبيل ” (11- غافر)
متى كانت هاتان الموتتان ونحن لا نعلم ولا نرى الا ميتة واحدة
ان هذا الكلام وثيقة هامة تؤكد وجود حياتين وموتتين .. ومعنى الموت ليس الإعدام والملاشاة ولكن النقل من حال الى  حال فالله يسمى النقل من الحياة الدنيا الى الحياة البرزخية موتا وإماتة

وبهذا المعنى يمكن ان نفهم الإماتة الأولى المذكورة فى الآية بانها كانت الإماتة عن الخلق الكامل فى احسن تقويم وانزال النفوس فى الأسر .. فى اسر الجبلة الطينية تعيش وتكابد بفروجها وسوأتها فى اسفل سافلين
ثم تأتى الموتة الثانية بالنقل من هذا الحال من البلاء ، الى حال الحياة البرزخية فى القبور .. ثم يكون الإحياء الحق بالنفخ فى الصور والبعث .. فتلك حياة ان ( حياتنا الأولى فى احسن تقويم وحياتنا فى الاخرة ) ولا تحسب الحياة البرزخية فى القبور حياة لأنها حياة ناقصة شبحية وكذلك حياتنا الدنيا فهى الاخرى ناقصة وفانية وزائلة ومعيبة .. ” يا قوم انما هذه  الحياة الدنيا متاع ” 39 – غفر
” وان الدار الاخرة لهى الحيوان – 64- العنكبوت – اى لهى الحياة الكاملة الحقة 

وحياتنا الدنيا التى خيل الينا انها سنوات طويلة مديدة سوف نرى حين البعث أنها لم تكن اكثر من ساعة من نهار ” وكانهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار “
فهى اذن حياة لا تساوى شيئا فنحن اذن امام حياتين كاملتين – حياتنا فى احسن تقويم قبل الميلاد وحياتنا فى  الاخرة بعد البعث
ثم تلك المشهد الذى استخرج فيه الله ذرية ادم من ظهره قبل ميلادها وقبل مجيئها واشهدها على ربوبيته فاعترفت وشهدت بذلك .. متى واين وكيف كان
ذلك ..؟!!

” واذا اخذ ربك من بنى ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا .. ان تقولوا  يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين  أو تقولوا انا كنا عن هذا غافلين  أو تقولوا انما اشرك اباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم .. افتهلكنا بما فعل المبلطون ” 172-173 الأعراف

فذلك كلام وحوار بين الله وبين كل نفس .. منفردة أو الكل مجتمعين .. الذرية كلها .. لا أحد يدرى .. يقول فيه العالمين .. ها انذا قد جئت بالابن قبل ان يولد أبوه .. حتى لا تقولوا إنما أضلنا الإباء فضللنا من بعدهم .. بل ها انتم أحضرتكم من قبلهم
( وذلك قلب لمفهوم الزمن وإتيان بالمستقبل قبل الحاضر ) ولا ندرى اين ومتى وكيف كان هذا الاشهاد

وقد أقرت جميع النفوس وقالت .. بلى شهدنا يارب  ثم الحديث النبوى الثابت والصحيح الذى يقول فيه النبى عليه الصلاة والسلام : (كنت نبيا وادم يجدل فى طينته) فهذا اذن وجود سابق وخلق سابق على الميلاد وقد فهم عنه الصوفيون نظريتهم التى يرددونها فى الحقيقة المحمدية .. فمحمد عليه الصلاة والسلام وان جاء اخر الأنبياء فى البعث الا انه خلق أولهم بالحقيقة وذلك هو الخلق النورانى فى احسن تقويم 

ويلزم القول انه امر لم ينفرد به النبى عليه الصلاة والسلام بل ان لكل منا حقيقة سابقة على ميلاده هى خلقه النورانى الاول قبل النزول فى الطين والخلق فى الأرحام
كلنا كانت لنا سابقة وكنا حقائق قبل ان نصبح اجسادا

والسؤال الاكبر .. هو .. ماذا قيل .. وماذا كنا قبل خلقنا فى أحسن تقويم وقبل تسويتنا شخوصا نورانية .. وهل كنا عدما معدوما .. ان الله يقول :
” وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ” 9-مريم .. فنفى الله عنا الشيئية ولم ينف عنا الهوية قبل الخلق فى اية اخرى ” وانما قولنا لشيىء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون ” 40 – النحل
فهذا المخلوق اذا اردناه نقول له كن فيكون  فكلام الله يتوجه الى هوية فى العدم  ” نقول ” لمن .. تلك هوية كائنة قبل ان تخلق وهذا توكيد بأنه كانت لنا هوية فى العدم

واننا لم نكن معدومين قبل تسويتنا فى تقويم ( اين كنا .. واين كان ذلك ..)
يقولون ان العلم الالهى المحيط الذى لا يعزب عنه ترفة ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة
كنا أسرارا مكنونة معلومة فى خريطة علمه بشخوصنا وحقائقنا وخيرنا وشرنا وطبائعنا وفى ذلك يقول ابن عربى
ان التشخيص الأزلي ليس عارضا وهو يسمى هذه الأسرار المكنونه فى خزينة العلم الإلهي وفى كنوز الأعيان الثابتة ويقول أنها قديمة وأزلية وليست بجعل جاعل ولهذا يقول ابن عربى ان الله يخاطب المجرمين يوم القيامه قائلا:
ما حمنا عليكم ولكن هكذا كنتم

اى هكذا كنتم اشرارا منذ الازل ولم اخلق شرا  وانما وضعتكم فى منازلكم ومراتبكم ولم اجبركم على احد بظلم ولو عرفتمونى وسالتمونى الفضل لاعطيتكم ولكنكم انكرتمونى ورفضتم رحمتى ورددتم يدى فاخترتم ان قطعتم الحبل بينى وبينكم فى الدنيا وناديتكم فلم تسمعوا ووعدتكم فلم تلبوا
وتلك منتهى الحرية والمسئولية لا جبر ولا قهر على شيىء
الكل تلقى النداء والكل امثلت آليته بالية الرحمة والقيت اليه النذر وحفت به الملائكة تدعوه بالخواطر الطيبة وجاءه الرسل والأنبياء والكتب والمنكرون والمعلمون

والذى لم يتيقظ من غفلته حاولنا ايقاظه بالبلاء وبالمكاره والمصائب حتى استنفدنا معه الاسباب
تلك حياة ممتده اذن .. ووجود ممتد .. له فصول .. فصل بعد فصل وخلق بعد خلق .. لم ننقطع عن الحضور لحظة منذ الازل وانما ظلنا فى انتقال من حال الى حال .. لم يكن امرنا ابدا عدما معدوما

الهذا يحدث دائما ان نحب احدا دون مقدمات .. او ننفر منه دون مقدمات .. ايكون هذا الشعور لمعرفة سابقة ولقاء سابق قبل  الميلاد فى ذلك الغيب الاول .. اهى ذكرى باهته لتلك النفوس التى تعارفت وتنافرت وتحابت وتناكرت منذ الازل الهذا يكرر القرآن الكريم دائما
” ولعكم تذكرون ” 152- الانعام ” فذكر انما انت مذكر ” 21- الغاشية ”
” ان هو الا ذكر وقرآن مبين ” 69 – يس

” كلا أنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون الا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة ” 54 – المدثر  ” فما لهم عن التذكرة معرضين ” 49 – المدثر ”
” يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ” ” 23- الفجر ” يوم يتذكر الانسان ما سعى ” 35 – النازعات – ” فذكر ان نفعت الذكرى 9- الاعلى 0 ذلك ذكرى للذاكرين ” 114 – هود  وكل القرآن ذكر وتذكير وتذكرة وذكرى
ومشهد استحضار الذرية من ظهر آدم قبل ميلادها واشهادها على الربوبية تذكير وتصوير وتجسيد إجباري علمي واقعي لهذه القصة التى سوف تتعدد
فصولا ..

آتعنى تلك الآيات انه كانت لنا حياة قبل ان نولد .. ؟ الله اعلم بكتابه .. ولا داعى تفسيرا .. إنما هى محاولة فهم قد تكون خاطئا والأمر يصيب الإنسان بالخوف والرهبة والخشية والدوار اذا استجمعه كله فى ذهنه
فما خلق الله السموات والارض ليلهو وما خلق الإنسان سدى ” ” وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين” 38 – الدخان ” ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ” 191- آل عمران
والامر جاد ولا عبث هناك  ولا ندرى متى ياتى الموت وتنصب الموازين وتنكشف الحقائق وتهتك الاسرار0 وادمان التآمل يورث الرجفة فى القلب

ماذا فى سرائرنا ؟ وماذا تخفيه الضمائر ؟ وماذا تبطن النيات وهل تستخفى فى صدورنا الحمائم أو الافاعى ؟
لهذا خلقنا الله وخلق لنا الدنيا ونقلنا فى الاحوال وداول علينا الأيام والليالى ليكشف لنا المستور والمكنون  والمكتوم من نفوسنا0
” سنريهم اياتنا فى الأفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم انه
الحق” 53- فصلت

نعم ان الأمر صدق وحق .. ولا شيىء يستحق البكاء من الإنسان اكثر من خطيئته ولا شيىء يستحق ان يتمزق له القلب اكثر من ان يخطىء وهو يعلم انه يخطئ ويتروى وهو يعلم انه يتردى إنه لا فضل له ان يتمزق ألف قطعة كل قطعة تتألم وتتعذب ولا يرتكب الخطا ولو علمنا التقوى وذلك هو العلم الذى يبدأ على حافة الرعب
حينما يفكر العقل فى المبدأ والمنتهى والغاية فيخر ساجدا وهو يرتجف .. سبحانك .. سبحانك .. مغفرتك .. رضوانك
وذلك هو ما تحملنا اليه هذه التأملات  فاقراراها من جديد فان الذكرى تنفع المؤمنين

بقلم الدكتور مصطفى محمود بتاريخ
13-8-1979

1 التعليقات: