تلك هى المشكلة .. يا خمينى !

فى مقال سابق عن الخمينى قلت ناصحا ومشفقا حذار من التطرف وقلت ان التطرف باسم الإسلام هو كفر بالإسلام فقد جاء الإسلام ليعفو ولم يأت لينتقم فماذا فعل نبى الإسلام حينما دخل مكة فاتحا غازيا منتصرا
ماذا فعل حينما امتلك رقاب هؤلاء الجاهلين العتاة أعداء الامة الذين عذبوا وقتلوا وفجروا بالإسلام والمسلمين وماذا أجابهم نبى الرحمة حينما سألوه ” ماذا انت فاعل بنا “

لقد قال
” اخ كريم وابن اخ كريم .. اذهبوا فانتم الطلقاء “
وهذه هى السنة المحمدية ألحقه .. عفو وحلم وسماحة وغفران عند المقدرة ولكننا لم نأخذ من السنة المحمدية الا اللحية .. لأنها الأمر الشكلى السهل الذى لا يكلف صاحبه شيئا وربما أفاده بتوفير اجر الحلاق

أما الأمر الجوهرى الذى هو صميم السنة المحمدية وروحها وهو الخلق السمح الكريم فانه يكلف أصحابه الكثير ولهذا ينسونه أو يتناسوه لحظة  انتصارهم فتسمع عن لجان شعبية تسمى نفسها لجان الخمينى الثورية تهاجم البيوت وتعتقل الناس وتحاكمهم محاكمات صورية وتعدمهم وهو أسلوب لا يختلف كثيرا عما كانت تفعله لجان المهدوى الشيوعى فى العراق تحت راية أخرى ولا أدرى ما هو موقف الخمينى من هذه اللجان والى أي مدى خرج امرها من يده


ولقد هدد بازرجان بالاستقالة مرتين بسبب ما تفعله هذه اللجان بالناس ولم يكن الشاه وصحبه بأسوا ولا أظلم من جاهلية قريش فى عتوهم وظلمهم ولكن نبى الأمس جاء بالرحمة والمودة والعفو وأنبياء اليوم يأتون بالنكال والتنكيل ولهذا كتبت متحفظا فى مسالة قطع اليد ، وقطع يد السارق شريعة لا تناقش اذا باشرها خليفة عادل مثل عمر بن الخطاب ولكنها تناقش اذا كان القائمون على تنفيذها لجان للنكال والتنكيل من أمثال المهدوى الشيوعى أو أشباهه السفاحين من اى ملة وانا دائما اسأل نفسى .. من يقطع يد من ؟

اذا كانت شبهة الحرام قد خالطت كل شيىء فأصبحت مرتباتنا – حتى مرتباتنا – يدخلها الحرام (الا نأخذ مرتباتنا من جمارك الخمور وإيراد صالات القمار فى الفنادق الكبرى ثم من دخل هذه الفنادق الكبرى ذاتها وقد تحولت الى غرف تؤجر للمتعة المستورة باسم السياحة والترفيه)
فمن يقطع يد من ومن يرجم من
من الجانى ومن الضحية

اذا كان كل شيىء حولنا يثير الغرائز فى المقاهى ومن خلال أجهزة الراديو ليس فى إيران وحدها ولكن فى البلاد العربية كلها وفى العالم بآسره

هل نقلب كل شيىء فى غمضه عين فنلغى الفن والشعر والمسرح والسينما والاذاعة والتليفزيون والموسيقى والتصوير والنحت وهى أمور درج عليها الناس وخالطت دمهم لاكثر من ألف عام وهل إلغاء الفن تقدم وفى الفن نرى رفيعه ترتقى بالعقل والوجدان هل الغاء المسرح تقدم وفيه أمثال شكسبير وهل إلغاء الموسيقى تقدم وفيها بتهوفن ومزار وهل إلغاء الغناء تقدم وفيها روائع الكورال والاوبرا وهل إلغاء الرسم والتصوير تقدم وهو فن تربية الذوق والإحساس وهل ذم النبى التصوير والمصورين والنحت والنحاتين فى الجاهلية الا لانهم كانوا يرسمون الصور وينحتون التماثيل لتعبد وتتخذ الهة

وقد اختلف الوضع الان فما عندنا نرى أحدا يعبد تمثالا او يركع امام صورة وانما الخطر الأكبر الان هو من عبادة النفس وعبادة الهوى وعبادة المال وعبادة السلطة وعبادة النظرية وذلك هو وباء اليوم 

وذلك هو الشرك الجديد الأولى بالمحاربة من تصوير المصورين ونحت النحاتين وماذا يفعل الحاكم الإسلامي اليوم فى زى المرأة وماذا يفعل فى الاختلاط وقد خرجت بالفعل الى جميع مجالات العمل وتربعت على كرسى الوزارة وارتفع صوتها فى مجلس الشعب واصبح لها حق الشريك بحكم ما حملت لنفسها من واجبات هل سيفرض الحاكم الزى الاسلامى بالقوة وهل سيعيد المرأة الى البيت بالقوة
واى قوة سيحتاجها ليقلب هذه الإشكال الاجتماعية رأسا على عقب إلا ان تكون ديكتاتورية حديدية لا ترح

ثم ايكون هذا الأمر إسلاما وهل هناك زى إسلامي محدد جاء تفصيلا فى  القرآن وهل خروج المرأه للعمل هو أمر مناف للإسلام وهل اختلاط المرأة بالرجل فى أماكن العمل أمر مناف للإسلام واستعمال العنف والقهر كشكل سياسى للحكم .. هل يتسق مع الروح الإسلامية التى تنصح بالاعتدال والتوسط والتدرج واللين والقرآن يقول ” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” ويقول ” اتقوا الله ما استطعتم ” فيجعل من الاستطاعة حدا للإعفاء وقد نزلت أية الرحمة هذه بعد الآية الأولى ” اتقى الله حق ثقاته ” فصرخ الصحابه خاشعين مشفقين واينا يستطيع ان يتقى الله حق تقاته .. لقد ضعنا فجاءت اية الرحمة ” اتقوا الله ما استطعتم “

تلك روح الإسلام ولا يصح ان ندعى للإسلام أشكالا سياسية تنافى هذه الروح وهذا يعنى انه لابد من فهم إسلامي عصرى اذا قدر للحكم الاسلامى ان يخرج الى الوجود ولابد من فكر إسلامي مستنير قادر على استيعاب ما حدث من تطور وما جد من ظروف وقادر على استشفاف الخيط الجوهرى واستنباط روح النصوص ورؤية مجرى النهر فى عمقه لا فى سطحه وجوفه حتى لا نضيع فى الا التفريعات والخلجان

لقد قرأت ما يقوله الخمينى من ان الديمقراطية مصطلح غربى استعمارى .. وانه قد كفانا ما أخذنا من مساوىء من الغرب 0
وكنت احب ان اعرف بالتفصيل ماذا يأخذ الخمينى على الديمقراطية بمفهومها الغربى .. واين يختلف هذا المفهوم من المفهوم الإسلامي واين يتفق .. وما هو مفهوم الحرية عنده وما هو شكل الحكم ..

هل يأتى الحاكم بلا انتخاب وهل ينفرد بالرأى فلا يراجعه ممثلون للامة فهذه هى الديمقراطية الغربية وهى تراث انسانى وليس بدعة وهى تلتقى مع الإسلام فى نقاط كثيرة فالحكم الإسلامي يأتى الى الحكم بالبيعة وهو لا ينفرد بالرأى بل هو ملزم بالمشورة
فما هى نقاط الاختلاف وماذا يرفض الخمينى من الديمقراطية الغربية ان هذا الرفض يجب ان يسبقه فكر وتنظير واستنباط واجتهاد وتقديم شكل متكامل للهيكل السياسى الإسلامي المقترح

اما الرفض المبهم والنظر الى كل بضاعة غربية على أنها استعمار وافك وشر بدون تقديم بدائل مدروسة .. هذا الرفض هو بذاته موقف غير ناضج ثم من الذين سوف يحكموننا فى الدولة الإسلامية هل هم المشايخ وخطباء الجمعة الذين يضعوننا فى النار كل جمعه وعلى رأسنا المصلون الذين يسعون اليهم .. ام من يكونون وهل سوف نخرج بذلك من غوغائية الديمقراطية الغربية الى غوغائية اخطر 

وسوقية اخطر هى سوقية اى خطيب يتصور انه يتكلم بتفويض الهى فيضع من يشاء فى النار ويسب شتائمه ولعنته على كل من يتصور انه مال او انحرف .. وتصوره كاى تصور بشرى هو تصور خطاء يحتمل الخطأ والصواب .. وهو ابن آدم ككل بنى ادم معرض للخطأ تلك مزالق يمكن ان يقع يها الحاكم المسلم وتلك هى المشكلة ياخمينى وانا تلميذك ومريدك وشديد الإعجاب بك ولكنى لا احب ان يضيعنى اعجابى ولا احب ان يضيع الاسلام تحت راية الاسلام ولا احب ان يظلم القرآن سنته وحاملوه فيفسرونه بما يشاء لهم حب السلطة وداء التحكم وفتنة الاستبداد بالناس وتلك مجرد أسائله .. والسلام 

بقلم الدكتور مصطفى محمود بتاريخ
14-3-1979

0 التعليقات

إرسال تعليق