النفس و الروح

نواصل عرض مقالات الدكتور مصطفى محمود واليوم نعرض مقال النفس والروح

بقلم د/ مصطفى محمود

في اللغة الدارجة نخلط دائما بين النفس و الروح، فنقول إن فلاناً طلعت روحه.. و نقول إن فلاناً روحه تشتهي كذا، أو أن روحه تتعذب أو أن روحه توسوس له، أو أن روحه زهقت، أو أن روحه اطمأنت، أو أن روحه تاقت و اشتاقت أو ضجرت و ملت.. و كلها تعبيرات خاطئة، و كلها أحوال تخص النفس و ليس الروح.

فالتي تخرج من بدن الميت عند الحشرجة و الموت هي نفسه و ليست روحه.

يقول الملائكة في القرآن للمجرمين ساعة الموت:

(( أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون )) (93 – الأنعام)

و التي تذوق الموت هي النفس و ليس الروح.

(( كل نفس ذائقة الموت )) (185 – آل عمران)

و النفس تذوق الموت و لكن لا تموت.. فتذوقها الموت هو رحلة خروجها من البدن، و النفس موجودة قبل الميلاد، و هي موجودة بطول الحياة، و هي باقية بعد الموت، و عن وجود الأنفس قبل ميلاد أصحابها يقول الله: إنه أخذ الذرية من ظهور الآباء قبل أن تولد و أشهدها على ربوبيته حتى لا يتعلل أحد بأنه كفر لأنه وجد أباه على الكفر.

(( و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذريةً من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، و كذلك نفصل الآيات و لعلهم يرجعون )) (172، 173، 174 – الأعراف)

فذلك مشهد أحضرت فيه الأنفس قبل أن تلابس أجسادها بالميلاد، و ليس لأحد عذر بأن يكفر بعلة كفر أبيه، فقد كان لكل نفس مشهد مستقل طالعت فيه الربوبية.. و بهذا استقرت حقيقة الربوبية فطرتنا جميعاً.

ثم إن الروح لا توسوس، و لا تشتهي و لا تهوى و لا تضجر و لا تمل و لا تتعذب، و لا تعاني هبوطا و لا انتكاسا. إنما تلك كلها من أحوال النفس و ليس الروح.

يقول القرآن

(( فطوعت له نفسه قتل أخيه)) (30 – المائدة)

(( و لقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه)) (16 – ق)

(( و نفس و ما سواها، فألهمها فجورها و تقواها)) (7، 8 – الشمس)

(( بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل)) (18 – يوسف)

(( إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و تزهق أنفسهم)) (55 – التوبة)

(( و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)) (130 – البقرة)

(( و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) (9 – الحشر)

(( و أحضرت الأنفس الشح) (128 – النساء)

(( و ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)) (53 – يوسف)

فالنفس هي المتهمة في القرآن بالشح و الوسواس و الفجور و الطبيعة الأمارة، و للنفس في القرآن ترق و عروج، فهي يمكن أن تتزكى و تتطهر، فتوصف بأنها لوامة و ملهمة و مطمئنة و راضية و مرضية.

(( يأيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، و ادخلي جنتي)) (27 – 30 الفجر)

أما الروح في القرآن فتذكر دائما بدرجة عالية من التقديس و التنزيه و التشريف، و لا يذكر لها أحوال من عذاب أو هوى أو شهوة أو شوق أو تطهر أو تدنس أو رفعة أو هبوط أو ضجر أو ملل، و لا يذكر أنها تخرج من الجسد أو أنها تذوق الموت.. و لا تنسب إلى الإنسان و إنما تأتي دائما منسوبة إلى الله.

يقول الله عن مريم:

(( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا)) (17 – مريم)

و يقول عن آدم:

(( فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (29 – الحجر)

يقول (( روحي )) و لا يقول روح آدم.

فينسب ربنا الروح لنفسه دائما.

(( و أيدهم بروح منه)) أي من الله (22 – المجادلة)

و يقول عن القرآن و نزوله على النبي عليه الصلاة و السلام:

(( و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)) (52 – الشورى)

و يقصد بالروح هنا الكلم الإلهي القرآني.

(( يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق)) (15 - غافر)

(( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده)) (2 – النحل)

و الروح هنا هي الكلمة الإلهية و الأمر الإلهي.

و الروح دائما تنسب إلى الله، و هي دائما في حركة من الله و إلى الله و لا تجري عليها الأحوال الإنسانية و لا الصفات البشرية.. و لا يمكن أن تكون محلا لشهوة أو هوى أو شوق أو عذاب.

و لهذا توصف الروح بأوصاف عالية.

فيقول القرآن عن جبريل: إنه روح القدس.. و الروح الأمين.

و يقول عن عيسى إنه (( رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه)) أي روح من الله (171 – النساء)

أما النفس فهي دائما تنسب إلى صاحبها.

(( و ما أصابك من سيئة فمن نفسك)) (79 – النساء)

(( و من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه)) (15 – الإسراء)

(( و ضاقت عليهم أنفسهم)) (118 – التوبة)

(( و ما أبرئ نفسي)) (54 – يوسف)

(( و كذلك سولت لي نفسي)) (96 – طه)

(( و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) (9 – الحشر)

(( و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)) 130 – البقرة)

و حينما تنسب النفس إلى الله فتلك هي الذات الإلهية.

(( و يحذركم الله نفسه)) (28 – آل عمران)

ذلك هو الله ليس كمثله شيئ و هو مما لا يستطيع الإنسان أن يتخيل له شبيها و لا يصح أن نقيس النفس الإلهية على نفوسنا..

فالنفس الإلهية هي غيب الغيب.

يقول عيسى لربه يوم القيامة

(( تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك)) (116 – المائدة)

فالنفس الإلهية لا تتشابه مع النفس الإنسانية إلا في اللفظ و لكنها شيء آخر البتة.

(( ليس كمثله شيء)) (11 – الشورى)

(( لم يكن له كفوا أحد)) (4 – الإخلاص)

و السؤال إذن:

ما نصيب كل منا من الروح؟

و ماذا نعني حينما نقول إن لنا روحا و جسدا؟

ثم ما علاقة نفس كل منا بروحه و جسده؟

أما نصيبنا من الروح فهو النفخة التي ذكرها القرآن في قصة خلق آدم.

(( إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (71، 72 – ص)

و ما حدث من أمر التسوية و التصوير و النفخ في صورة آدم يعود فيتكرر في داخل الرحم في الحياة الجنينية لكل منا.. فيكون لكل منا تسوية و تصوير، ثم نفخة ربانية حتى تتهيأ الأنسجة و يستعد المحل لتلقي هذه النفخة، و ذلك يكون في الشهر الثالث من الحياة الجنينية، و ينتقل الخلق بهذه النفخة من حال إلى حال..

يقول ربنا عن هذه المراحل:

(( ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)) (14 – المؤمنون)

فيقول عند النفخة: ((ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)).. إشارة إلى نقلة هائلة نقل بها المضغة المكسوة بالعظام إلى مستوى لا يبلغه و لا يقدر عليه إلا أحسن الخالقين.. و ذلك بالنفخة الربانية.

و يتكلم عن هذا النفخ في الجنين بعد تسويته في آية أخرى عن نسل آدم.

(( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه و نفخ فيه من روحه و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة)) (8، 9 – السجدة)

و نفهم من هذا أن السمع و البصر و الفؤاد هي من ثمار هذه النفخة الروحية.. و إنه بهذه المواهب ينقل الإنسان من نشأة إلى نشأة و من مستوى إلى مستوى، و هذا هو معنى.. ((ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)).

إن نصيبنا من هذه الروح إذن هو نصيبنا من هذه النفخة.. و كل منا يأخذ من هذه النفخة على قدر استعداده.

و بفضل هذه النفخة يصبح للواحد منا خيال و ضمير و قيم و عالم من المثل.. و الجسد و الروح فينا أشبه بأرض الواقع و سماء المثال.

و علاقة نفس كل منا بروحه و جسده هي أشبه بعلاقة ذرة الحديد بالمجال المغناطيسي ذي القطبين.


0 التعليقات

إرسال تعليق