كلمة لا إله إلا الله

قال صاحبي:
 - ألست معي في أنكم تبالغون كثيرًا في استخدام كلمة لا إله إلا الله وكأنها مفتاح لكل باب .. تشيعون بها الميت وتستقبلون الوليد وتطبعونها على الأختام وتنقشونها على القلائد وتصكون بها العملات وتعلقونها على الجدران .. من ينطق بها منكم تقولون أن جسمه أعتق من النار .. فإذا نطق بها مائة ألف مرة دخل الجنة وكأنها طلسم سحري أو تعويذة لطرد الجن أو قمقم لحبس المردة .. ثم هذه الحروف التي لا تعرفون لها معنى .. ا . ل . م .. كهيعص .. طسم .. حم .. الر .

هل أنجو من العذاب إذا قلت لا إله إلا الله .. إذن فإنى أقولها وأشهدك وأشهد الحضور على ذلك .. لا إله إلا الله .. هل انتهي الأمر.
 - بل أنت لم تقل شيئًا.

إن لا إله إلا الله لمن يعمل بها وليست لمن يشقشق بها لسانه ..لا إله إلا الله منهج عمل وخطة حياة وليست مجرد حروف .. ودعنا نفكر قليلاً في معناها .. إننا حينما نقول لا إله إلا الله نعنى أنه لا معبود إلا الله وبين لا وإلا بين النفي والإثبات في العبارة بين هاتين الدفتين تقع العقيدة كلها لا النافية تنفي الألوهية عن كل شيء .. عن كل ما نعبد من مشتهيات في الدنيا .. عن المال والجاه والسلطان واللذات وترف العيش والنساء الباهرات والعز الفاره .. لكل هذا نقول لا .. لا نعبدك .. لست إلهًا .. 

ثم نقول لا لنفوسنا التي تشتهي تلك الأشياء لأن الإنسان يعبد نفسه في العادة ويعبد رأيه ويعبد هواه واختياره ومزاجه ويعبد ذكاءه ومواهبه وشهرته ويتصور أن بيده مقاليد الأمور وأقدار الناس والمجتمع .. ويجعل من نفسه إلهًا دون أن يدرى .. لهذه النفس نحن نقول لا .. لا نعبدك .. لست إلهًا.


نقول ((لا)) –  للمدير والرئيس والحاكم .. لا لست إلهًا.
ومعنى كلمة ((إله)) أي ((فاعل)) .. والفاعل بحق عندنا هو الله، أما كل هذه الأشياء فوسائط وأسباب، المدير والوزير والرئيس والمال والجاه والسلطان والنفس بذكائها ومواهبها .. لكل هذا نقول لا .. لست إلهًا.
(( إلا )) - واحد نستثنيه ونثبت له تلك الفاعلية والقدرة هو الله .

وبين لا وإلا بين هذا النفي وهذا الإثبات تقع العقيدة كلها فمن كان مشغولاً بجمع المال وتكديس الثروات وتملق السلطان والتزلف للرؤساء وتحرى اللذات واتباع هوى نفسه وتعشق رأيه والتعصب لوجهة نظره .. فهو لم يقل لا لكل هذه المعبودات وهو ساجد في محرابها دون أن يدرى وحينما يقول لا إله إلا الله فهو يقولها كاذبًا .. يقول بلسانه ما لا يفعل بيديه ورجليه.

ومعنى (( لا إله إلا الله )) أنه لا حسيب ولا رقيب إلا الله .. هو وحده الجدير بالخشية والخوف والمراقبة .. فمن كان يخاف المرض ومن كان يخاف الميكروب ومن كان يخاف عصا الشرطي وجند الحاكم فإنه لم يقل ((لا)) .. لكل تلك الآلهة الوهمية .. وإنما هو مازال ساجدًا لها وقد أشرك مع خالقه كل تلك الآلهة المزيفة .. فهو كاذب في كلمة (( لا إله إلا الله )) .
ومعنى ذلك أن (( لا إله إلا الله )) عهد ودستور ومنهج حياة.
والمقصود بها .. العمل بها.

فمن عمل بها كانت له طلسمًا بالفعل يفتح له كل الأبواب العصية .. وكانت نجاة في الدنيا والآخرة ومدخلاً إلا الجنة.
أما نطق اللسان بدون تصديق القلب وعمل الجوارح .. فإنه لا يغنى.
و (( لا إله إلا الله )) تعنى أكثر من هذا موقفًا فلسفيًا.

يقول الدكتور زكى نجيب محمود أن (( شهادة لا إله إلا الله )) تتضمن الإقرار بثلاث حقائق .. أن الشاهد موجود والمشهود موجود .. والحضور الذين تلقى أمامهم الشهادة موجودون أيضًا أي أنها إقرار صريح بأن الذات والله والآخرين لهم جميعًا وجود حقيقي.
وبهذا يرفض الإسلام الفلسفة المثالية كما يرفض الفلسفة المادية في ذات الوقت .. يرفض اليمين واليسار معًا ويختار موقفًا وسطا.
يرفض المثالية الفلسفية .. لأن المثالية الفلسفية لا تعترف بوجود الآخرين ولا بوجود العالم الموضوعي كحقيقة خارجية مستقلة عن العقل .. وإنما كل شيء في نظر الفلسفة المثالية يجرى كأنه حلم في دماغ .. أو أفكار في عقل .. أنت والراديو والشارع والمجتمع والصحيفة والحرب كلها حوادث ومرائى وأحلام تجرى في عقليّ .. لا وجود حقيقي للعالم الخارجى.

وهذا الموقف المثالى المتطرف يرفضه الإسلام وترفضه الشهادة لأنها كما قلنا إقرار صريح بان الشاهد والمشهود والحضور الذين تلقى أمامهم الشهادة أي الذات والله والآخرين حقائق مقررة.
كما يرفض الإسلام أيضًا الفلسفة المادية لأن الفلسفة المادية تعترف بالعالم الموضوعي ولكنها تنكر ما وراءه .. تنكر الغيب والله.
والإسلام بهذا يقدم فلسفة واقعية وفكرًا واقعيًا فيعترف بالعالم الموضوعي ثم يضيف إلى هذا العالم كل الثراء الذي يتضمنه الوجود الإلهي الغيبي .. ويقدم تركيبًا جدليًا جامعًا بين فكر اليمين وفكر اليسار في فلسفة جامعة ما زالت تتحدى كل اجتهاد المفكرين فتسبق ما سطروا من نظريات ظنية لا تقوم على يقين .
شهادة (( لاإله إلا الله )) تعنى إذن منهج حياة وموقفًا فلسفيًا.
ولهذا فأنت تكذب وأنت الرجل الماديّ الذي اخترت موقفًا فلسفيًا ماديًا وأنت تنطق بالشهادة كذبتين:
الكذبة الأولى – أنك تشهد بما ينافي فلسفتك.
والكذبة الثانية – أنك لا تعمل بهذه الشهادة في حياتك قدر خردلة.

أما حكاية .. ا . ل . م .. وكهيعص . حم . الر . فدعنى أسألك .. وما حكاية س ص ولوغاريتم ومعادلة الطاقة ط = ك × س2 وهي ألغاز وطلاسم بالنسبة لمن لا يعرف شيئًا في الحساب والجبر والرياضيات .. وعند العالمين لها معانى خطيرة.

كذلك هذه الحروف حينما يكشف لنا عن معناها.

قال صاحبي في سخرية:
 - وهل كشف لك عن معناها ؟
قلت وأنا ألقى بالقنبلة:
 - هذه موضوع مثير يحتاج إلى كلام آخر طويل سوف يدهشك .

0 التعليقات

إرسال تعليق