معنى الدين

قال صاحبي :
- اسمع .. إذا كانت عندكم جنة كما تقولون.. فأنا أول واحد سوف يدخلها فأنا أكثر دينا ً من كثير من دعاتكم من أصحاب اللحى والمسابح إياهم..
- أكثر ديناً .. ماذا تعني بهذا ؟
- أعني أني لا أؤذي أحداً ولا أسرق، ولا أقتل، ولا أرتشي، ولا أحسد، ولا أحقد، ولا أضمر سوءاً لمخلوق، ولا أنوي إلاّ الخير، ولا أهدف إلاّ إلى النفع العام.. أصحو وأنام بضمير مستريح وشعار حياتي هو الإصلاح ما استطعت.. أليس هذا هو الدين؟ ألا تقولون عندكم إن الدين المعاملة؟ ..

- هذا شيء له اسم آخر.. اسمه حسن السير والسلوك.. وهو من مقتضيات الدين ولكنه ليس الدين، إنك تخلط بين الدين وبين مقتضايته.. والدين ليس له إلا معنى واحد هو معرفة الإله.. أن تعرف إلهك حق المعرفة، ويكون بينك وبين هذا الإله سلوك ومعاملة.. أن تعرف إلهك عظيماً جليلاً قريباً مجيباً يسمع ويرى فتدعوه راكعاً ساجداً خاشعاً خشوع العبد للرب.. هذه المعاملة الخاصة بينك وبين الرب هي الدين.. أما حسن معاملتك لإخوانك فهي من مقتضيات هذا التدين وهي في حقيقة الأمر معاملة للرب أيضاً ..

يقول نبينا عليه الصلاة والسلام:" إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل "..
فمن أحب الله أحب مخلوقاته وأحسن إليها.. أما إذا اقتصرت معاملاتك على الناس لا تعترف إلا بهم ولا ترى غيرهم.. ولا ترى غير الدنيا فأنت كافر تماماً وإن أحسنت السير والسلوك مع هؤلاء الناس.. إنما يدل حسن سيرك وسلوكك على الفطانة والسياسة والكياسة والطبع اللبيب وليس على الدين فأنت تريد أن تكسب الناس لتنجح في حياتك، وحسن سيرك وسلوكك ذريعة إلى كسب الدنيا فحسب.. وهذه طباع أكثر الكفار أمثالك.
 
- صدقني أنا أشعر أحياناً بأن هناك قوة..
- قوة !
- نعم .. ثمة قوة مجهولة وراء الكون.. أنا أؤمن تماماً بأن هناك قوة..
 
- وما تصورك لهذه القوة.. أتتصورها كائناً يسمع ويرى ويعقل ويتعهد مخلوقاته بالرعاية والهداية، وينزل لهم الكتب ويبعث لهم الرسل ويستجيب لصرخاتهم وتوسلاتهم ؟
- بصراحة أنا لا أصدق هذا الكلام ولا أتصوره، وأكثر من هذا أراه ساذجاً لا يليق بهذه القوة العظيمة..
- إذن فهي قوة كهرمغنطيسية عمياء تسوق الكون في عبثية لا خلاق لها.. وهذه هي الصفة التي تليق بقوتك العظيمة..
- ربما ..
- بئس ما تصورت إلهك.. خلق لك البصر فتصورته أعمى.. وخلق لك الرشد فتصورته عابثاً أخرق.. والله إنك الكافر بعينه، ولو أحسنت السير والسلوك مدى الدهر.. وإنّ أعمالك الصالحة مصيرها الإحباط يوم الحساب وأن تتبدد هباء ً منثوراً ..
 
- ألا يكون هذا ظلماً..؟
- بل هو عين العدل.. فقد تصورت هذه الأعمال من ذاتك ليس وراءها الهادي الذي هداك والرشيد الذي أرشدك فظلمت إلهك.. أنكرت فضله.. وهذا هو الفرق بين طيبات المؤمن وطيبات الكافر، إذا استوى الاثنان في حسن السير والسلوك الظاهر.. فكلاهما قد يبني مستشفى لعلاج المرضى.. فيقول الكافر : أنا بنيت هذا المستشفى العظيم للناس..
ويقول المؤمن : وفقني ربي إلى بناء هذا المستشفى للناس وما كنت إلا واسطة خير..
وما أكبر الفرق.. واحد أسند الفضل لصاحب الفضل ولم يبق لنفسه فضلاً إلا مجرد الوساطة وحتى هذه يشكر عليها الله ويقول : أحمدك يا ربي أن جعلتني سبباً.. والآخر أسند الفضل لنفسه وراح يقول : أنا.. أنا.. أنا كل شيء.. فارق كبير بين الكبرياء والتواضع.. وبين العلو وخفض الجناح.. بين الجبروت والوداعة.. ولهذا فأنتم في ديانتكم الوثنية وإيمانكم بهذه القوة الكهرمغنطيسية العمياء لا تصلون ولا تسجدون..
- ولماذا نصلي ولمن نصلي..؟ إني لا أرى لصلاتكم هذه أي حكمة.. ولماذا كل تلك الحركات أما كان يكفي الخشوع..؟
- حكمة الصلاة أن يتحطم هذا الكبرياء المزيف الذي تعيش فيه لحظة سجودك وملامسة جبهتك التراب وقولك بلسانك وقلبك : " سبحان ربي الأعلى ".. وقد عرفت مكانك أخيراً وأنك أنت الأدنى وهو الأعلى.. وأنك تراب على التراب.. وهو ذات منزهة من فوق سبع سماوات..
أما لماذا الحركات في الصلاة، ولماذا لا نكتفي بالخشوع القلبي فإني أسألك بدوري :
ولماذا خلق لك الجسد أصلاً.. ولماذا لا تكتفي بالحب الشفوي فتريد أن تعانق وتقبل..
لماذا لا تكتفي بالكرم الشفوي فتجود باليد والمال.. بل خلق الله لك الجسد إذا كان خشوعك صادقاً فاض على جسدك فركعت وسجدت.. وإن كان خشوعك زائفاً لم يتعد لسانك..
- هل تعتقد أنك ستدخل الجنة..؟
- كلنا سنرِدُ النار.. ثم ينجي الله الذين اتقوا.. ولا أعرف هل اتقيت أم لا ؟.. يعلم هذا علام القلوب.. وكل عملي – للأسف – حبر على ورق..
وقد يسلم العمل ولا تسلم النية.. وقد تسلم النية ولا يسلم الإخلاص.. فنظن الواحد منا أنه يعمل الخير لوجه الله وهو يعمله للشهرة والدنيا والجاه بين الناس.. وما أكثر ما يخدع الواحد منا في نفسه ويدخل عليه التلبيس وحسن الظن والاطمئنان الكاذب من حيث لا يدري.. نسأل الله السلامة..
- وهل يستطيع الإنسان أن يكون مخلصاً ؟
- لا يملك ذلك من تلقاء نفسه.. وإنما الله هو الذي يخلص القلوب.. ولهذا يتكلم القرآن في أكثر الآيات عن المخلَصين – بفتح اللام – وليس المخلِصين بكسر اللام.. ولكن الله وعد بأن " يهدي إليه من ينيب " أي كل من يؤوب ويرجع إليه.. فعليك بالرجوع إليه.. وعليه الباقي..

0 التعليقات

إرسال تعليق