التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحب و الهوى و الغرام خداع ألوان

الحب و الهوى و الغرام خداع ألوان ، ما نراه في المحبوبة مثلما نراه في قوس قزح ، جمال ألوان قوس قزح ليس من قوس قزح نفسه و لكنه من فعل نور الشمس على رذاذ المطر المعلق في الهواء .. فإذا غابت الشمس و جف المطر اختفت الألوان و ذهب الجمال .

و هكذا محبوبتك جمالها فيما يتجلى عليها من خالقها .. فإذا انقطع عنها التجلي شاخت و مرضت و ذبلت و عادت قبحا لا جاذبية فيه .. إن ما كانت تملكه من جمال لم يكن ملكا لها بالأصالة ، بل كان قرضا و سلفة.

حتى السجايا الحلوة و النفوس العذبة و الخلال الكريمة هي بعض ما يتجلى فينا من أسماء خالقنا الكريم الحليم الودود الرءوف الغفور الرحيم ..

أليست هذه أسماؤه ... !؟
و هل نحب حينما نحب إلا أسماءه الحسنى حيثما تحققت و أينما تحققت .
و هل نحب حينما نحب إلا حضرته الإلهية في كل صورة من صورها . 

و الحكيم العارف من أدرك هذه الحقيقة فاتجه بحبه إلى الأصل .. إلى ربه و لم يلتفت إلى الوسائط و لم يدع بهرج الألوان يعطله .. و لم يقف عند الأشخاص .. فهو من أهل العزائم لا تعلق له إلا بربه .. لقد وفر على نفسه خيبة الأمل و انقطاع الرجاء و خداع الألوان.

لقد أحب من لا يهجر ، و عشق من لا يفتر ، و تعلق بمن لا يغيب ، و ارتبط بمن لا يموت ، و صاحب من بيده الأمر كله و ساهم في البنك المركزي الذي يخرج منه النقد جميعه .. و هام بالودود حقا ذاتا و صفاتا و أفعالا .
و ذلك هو مذهب العارفين في الحب .
فهل عرفت ...
و إذا كنت عرفت .. فهل أنت بمستطيع .

و مذهب العارفين ليس مجرد معرفة .. و لكنه همة و اقتدار و كدح و مغالبة .. و النفس لا تستطيع أن تعشق إلا ما ترى و لا أن تتعلق إلا بما تشهد بصرا و سمعا و حواسا .
أما تعلق الفؤاد بالذي ليس كمثله شيء فمرتبة عليا لا يوصل إليها إلا بالكدح و الكفاح و الهمة .. و قبل ذلك كله .. بالتوفيق و الرضا من صاحب الأمر كله ..

و لهذا أدرك العارفون أن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه إلا ركوعا و سجودا و ابتهالا و عبادة و طاعة و خضوعا و خشوعا و تذللا و تجردا و إن هذه مرتبة لا تنال بشهادة جامعية و لا بماجستير أو دكتوراه ، أو تحصيل عقلي .. و لكنها منزلة رفيعة لا مدخل إليها إلا بالإخلاص و سلامة القلب و طهارة اليد و القدم و العين و الأذن و لا سبيل إليها إلا بخلع النعلين .
تخلع جسدك و نفسك ..

و ليس مقصود القوم هنا هو الزهد الفارغ و التبطل .. و إنما أن تخلع حظك و أنانيتك و شهوتك و طمعك و شخصانيتك ، و أن ترتد إلى الطهارة الأولى اللاشخصانية التي تعطي فيها و تحب دون نظر إلى حظ شخصي أو عائد ذاتي .. فهي حالة عمل و عطاء و بذل و ليست حالة زهد فارغ و تبطل .. و هي في ذروتها حالة فداء و تضحية في سبيل إعلاء كلمة الله .. تضحية لا تنظر إلى نيشان أو نصب تذكاري .. و لكنها تبذل المال و الدم و النفس لوجه الله وحده .

و يقول العارفون إن مائدة الاستشهاد هي أعلى موائد التكريم و لا دخول إليها إلا ببطاقة دعوة من صاحبها . و لا دخول إليها اقتحاما أو قهرا و تبجحا .. و إنما هي دعوة من الكريم يتلقاها صاحب الحظ بالتلبية و الهرولة و يتلقاها المحروم بالتكاسل و التخاذل .. و التخلف ..

ذلك هو الحب في مذهب القوم ، و هو غير الحب في مذهب منتجي أفلام السينما و مؤلفي الرومنتيكيات ، و هو أيضا غير الحب عند الكثرة الغالبة من الناس .. حيث الحب هوى و نار و شهوة و جريمة و صدور عارية و مجوهرات . و لحظات تتألق بالشعر ثم ما تلبث أن تخبو وتنطفئ و تترك رمادا من الأكاذيب .

(( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21) )) ( يوسف )
(( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63) )) ( العنكبوت )
(( إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ (116) )) ( الأنعام )
((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا (36) )) ( يونس )
(( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ (23) )) ( النجم )
(( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (44) )) ( الفرقان )

هكذا يعلمنا القرآن أن الكثرة لا تعرف أما العارفون فقليل ما هم و لكن الصحافة التي تخاطب الكثرة و السينما التي تتملق الجماهير و المؤلفين الذين يطمعون في الرواج و الشعراء الذين يتبعهم الغاوون يتغنون بألوان أخرى من الحب . و يتيهون معا في أودية الغفلة التي تنتهي بنا إلى جنون قيس و انتحار جوليت و سقوط راهب تاييس و مباذل فالنتينو و جرائم آل كابوني و موائد مونت كارلو .
و المنتجون عندنا أكثر تواضعا فهم يكتفون بكباريهات شارع الهرم .

و هو أمر قديم قدم التاريخ منذ أيام بابل ، و منذ أيام أنطونيو و كيلوباتره و منذ أيام الفراعنة و الإغريق و الرومان .. و نقرأ في كتاب الموتى هذه السطور التي كتبها الحكيم المصري منذ خمسة آلاف عام .
لا تنظر إلى امرأة جارك فقد انحرف ألف رجل عن جادة الصواب بسبب ذلك .. إنها لحظة قصيرة كالحلم و الندم يتبعها .
إنها معارف قديمة منذ أيام آدم .. و قصة بائدة منذ مقتل هابيل .
و لكن لا أحد يذكر .. و لا أحد يعتبر .. و لا أحد يتعلم من الدرس .
و أكثر الذين يعرفون لا تنفعهم معرفتهم بسبب ضعف الهمم و تخاذل الأنفس و غلبة الشهوات .

إن السلالم إلى الأدوار العليا موجودة طول الوقت ، و لكن لا أحد يكلف نفسه بصعود الدرج و الأغلبية تعيش و تموت في البدروم ...
و لو كلف أحد منهم نفسه بالصعود .. و تحمل مشقة الصعود و شاهد المنظر من فوق ، لبكى ندما على عمر عاشه في البدروم بين لذات لا تساوي شيئا و لكنه الضعف الذي ينخر في الأبدان .

و البشرية تسير من الضعيف إلى الأضعف ، و الأجيال الجديدة أكثر ضعفا و أكثر تهافتا على العاجل البائد من اللذات ، و اقرأ المقال من أوله و اسأل نفسك .. من أي مرتبة من البشر أنت .. هل أنت عارف .. و إذا كنت عارفا .. فهل أنت بمستطيع .

و ابك ما شئت من البكاء فلا شيء يستحق أن تبكيه .. لا فقرك و لا فشلك و لا تخلفك و لا مرضك .. فكل هذا يمكن تداركه أما الخطيئة التي تستحق أن تبكيها فهي خطيئة البعد عن إلهك ..
فإن ضيعت إلهك .. فلا شيء سوف يعوضك .
و كل أحلام الشعراء لن تغنيك شيئا


قراءة من كتاب الاسلام ما هو للدكتور مصطفى محمود

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل كان لنا وجود قبل ان نولد؟

يلازمنى إحساس منذ بدأت أعى وادرك وجودى أنى كنت موجودا دائما وأنى حقيقة ولست أمرا طرا بالميلاد وأنى كنت هنا أو هناك فى مكان أو لا مكان لست أدرى .. انما هو إحساس دائم ومؤكد بالحضور لا أعلم كنهة ومصدره .. وكل ما يحدث أمامى الان هو مرور شريط متتابع لأحداث متتالية لماضى وحاضر ..
وهو شريط يمر أمامى ولكنى فى الأعماق خارج عن هذا الشريط واقف على عتبة حضور مستمر وأنية مطلقة لا تعرف تزامنا .. اراقب تصاريف الزمن امامى عن بعد واراقب طفولتى وصباى وشبابى وشيخوختى دون أن تدركنى انا اى شيخوخة فأنا .. ذاتى .. شباب دائم وحضور دائم ويؤيد هذا الاحساس الداخلى حقائق الدين التى تقول بأنى احاسب واعاقب واموت وانما انتقل الى حياة برزخية ثم الى بعث ثم الى خلود فى نعيم أو خلود فى شقاء .. فانا اذن خالد ..
وانا لست مسالة طارئة استجدت بالميلاد وستنتهى بالموت ومنطقية لو انى كنت امرا طارئا زائلا لما كنت حقيقة بل مجرد ظاهرة موقوتة تلمع لم تختفى فلا تعود هناك حكمة فى بعث وحساب وعقاب .. وعلام العقاب ولا حقيقة هناك .. وفى القران الكريم اشارة خاطفة الى هذه السابقة الوجودية قبل
الميلاد ” “لقد خلقنا الانسان فى احسن تق…

كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

بقلم : محمد عوض الحنشي

قال تعالى (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِالْمُؤْمِنُونَ )التوبة51. ويقول ايضاً ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )آل عمران 139. قال عامر بن قيس : ثلاث آيات من كتاب الله استغنيت بهن على ما أنافيه
قرأت قول الله تعالى :(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ)الأنعام17 فعلمت وأيقنت أن الله إذا أراد بي ضر لم يقدر أحد على وجه الأرض أن يدفعه عني وإن اراد أن يعطيني شيئاً لم يقدر أحد أن يأخذه مني .
وقرأت قوله تعالى :
(فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ )البقرة 152
فاشتغلت بذكره جل وعلا عمّا سواه .
وقرأت قوله تعالى : (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)هود6
فعلمت وايقنت وازددت ثقة بأن رزقي الله لن يأخذه أحد غيري .

تعرف على أبرز المفكرين العرب والمسلمين

للاسف الشديد معظمنا يفتقر الى معلومات عن مفكرين هذا العصر نظرا لان اهتمامتنا الثقافية لا تلتف كثيرا الى السير الشخصية لهؤلاء العظماء على اعتقاد منا ان قراءة السير الشخصية غير مجدى ، وهو امر خاطئ...
حيث ان كونهم عظماء لم ياتى من فراغ ولكن كان نتاج كفاح طويل اما ضد محتمل او حتى ضد افكار خاطئة ، ولذلك قراءة سير المفكرين عموما وخصوصا المفكرين العرب والمسلمين هو امر مفيد للغاية ، حيث الاستفادة من تاريخ هؤلاء ...
لذلك اضع بين ايدى حضراتكم اليوم هذه القائمة التى وجدتها مصادفتا على ويكيبديا والذى تضم قائمة بأسماء أبرز المفكرين العرب والمسلمين ... تستطيع من خلالها التعرف على معظم هذه الشخصيات وعلى سبيل المثال تضم القائمة الاسماء التالية: