البنت والمرآة

19 سنة مدللة دلوعة متهشكة على الآخر مع أنها السادسة على خمس أخوات كلهن تزوجن وهي الباقية.
بعد ست سنوات تعليم ابتدائي وثلاث اخرى في الثانوي تكتب اسمها بصعوبة ولا تفتح مجلة ولا تقرأ كتابا وطول وقتها امام المرآة تسبسب شعرها وترفعه وتضفره وتعقصه وتفكه وتربطه وتحله .. إلخ.. إلخ.. إلخ.
 
وبعد الشعر يبدأ دور الحواجب.. والملقاط.. تنتف شعرة شعرة في صبر مقزز حتى يصبح وجهها مثل وجه قرد مسلوخ.
ثم الأظافر الطويلة والطلاء بالمانيكير الأحمر الدامي ثم البودرة والروج والريميل.
ثم تحزيق الفستان، ونقل الحزام من مكان الى مكان، ورفع السوتيان وتقصير الحمالات وتطويل الحمالات إلخ.. إلخ.. إلخ.
هذا غير يوم الحلاوة.. وما أدراك ما الحلاوة.
 
والفستان عايته شهرين.. ثم يلقى في قاع الدولاب ويبدأ الخناق على فستان جديد.
وأنا الأخ الغلبان طالب الجامعة إذا طلبت بدلة فتح الأب المحترم جاعورته وراح يتصايح ويلقي دروسا في أصول الكفاح، وكيف أن العباقرة
كانوا في أيام تلمذتهم يلبسون خيشا ويذاكرون على شمعة أو لمبة جاز.
وأعود الى الست الأخت الهانم ..
 
وهي حرة تلبس وتدهن وتلمع وتورنش وتستعمل الملقاط والكماشة كما تشاء.. مادامت تؤدي واجب البيت وتعطيه حقه.
أما أن يكون البيت زريبة والغرفات قذرة لا تعرف المكنسة والعنكبوت مدلى من الأركان والبق سارح على الفرش والأطباق قذرة والأكواب مدهنة ورائحة البيت تفوح كريهة لحظة ان يفتح الباب وكأن مقبرة فتحت فإنها مصيبة.
والمصيبة الاكبر أن الهانم نفسها لا تستحم.. لا تدخل الحمام إلا في المواسم والأعياد.
الكسل.. الكسل.. الكسل.
كسلانة لدرجة الموت وكأن الكسل صفة هوانمي وخاصية من خواص الانوثة.. تزيد من فتنتها وجاذبيتها.
وهي لا تنشط إلا في الرغي والتلقيح على الناس، وصوتها مرتفع مسرسع مزعج من رأس الشارع.. وكلامها كله لت وعجن واللى تقوله تعيده.
 
كثيرة الأكل وفمها لا يخلو ابدا من شيء.. لب وسوداني.. حمص.. كراملة.. جيلاتي.. سميط.. مفتقة.. عجة.. سد الحنك.. حلاوة طحينية.
وهي تفتح الثلاجة وتأكل.. لا تسأل لمن الطبق المغطى وإنما تكشفه وتنهشه، وإذا كلها أحد راحت تنهشه هو الآخر بلسانها السليط.. عندها لسان منشار تدخل به في الكلام في كل موضوع وعاملة نفسها "أبو العريف" وتبالغ وتوقع بين الجيران، وتوقع نفسها وتوقعنا في مشاكل لا أخر لها.
 
فإذا حاولت أن أنصحها وأصلح من اعوجاجها قامت القيامة وهبت الأم (55 سنة على نيتها ومدروشة) وراحت تصرخ.. إنت حتكون السبب في إنها تطفش زي ما طفشت فلانة وعلانة.. يا ميلة بختي.. يا دهوتي.. يا حوستي.. يا مصيبتي.
وطبعا الهانم تسمع الكلام ده وتتمرع أكتر وأكتر، والنتيجة إنها تدخل وتخرج على كيفها وتسهر على كيفها.
وسمعتنا في الشارع زفت..
كل الناس يتكلمون علينا..
 
وأنا اذا فتحت فمي انطلقت تصرخ في وجهي... يا خايب.. يا نايب.. يا ساقط.. يا ضايع.. يا صايع.. اجري شوف لك كلمة ذاكرها.. اجري اتشطر على كتاب تقراه.
وأنا فعلا ساقط.. بدل السنة سنتين.. وربما اسقط هذه السنة أيضا.
ولكن هي السبب.
فكيف يمكن أن اذاكر في زريبة.
وكيف افتح كتابا في مولد لا ينفض.
أصبحت سريع الغضب ضعيف الذاكرة بسبب الحياة في نرفزة متواصلة.
ولا أمل .. الأم مدروشة.. والأب هتلر.
ولا أحد يريد أن يتفاهم.
وكل ما تفعله البنت سكر.
وكل ما يفعله الولد خايب مثله.
والأب يقول لي بالفم المليان.. أنت اخرتك هتطلع حرامي شحات صايع مش نافع.. كل زمايلك في كلية الحقوق تخرجوا وأنت قاعد زي المرأة المطلقة.
 
- طيب وهي حتطلع ايه فهموني ؟
- إنت مالك يا أخي هي أخرتها حايجيلها عريسها وتنكشح من على قفانا.. انما أنت راجل.
- نفسي أبقى راجل..نفسي تخلوني مرة راجل قدامها. 
- احنا اللى حانخليك راجل.. في راجل طول بعرض يسقط كل سنة زي الرطل.. إنت إللى حمار.. حانعملك إيه.. كلام.. كلام زي الدبش. زي السكاكين. زي السم.
وأنا اعيش في ارتباك.
أختى قتلتني.
نفسيتي تحطمت بسببها.
تخلفت في كل شيء بسببها.
ولا حل أمامي.
المعذب م. م
**********************************************
أنا أفهم أن أختك بنت صايعة وضايعة فعلا.
ولكن لا أفهم كيف تكون هي المسئولة عن خيبتك. وكيف تلقي على أكتافها مسئولية فشلك.
والرجولة معناها أن تكون مسئولا أولا وأخيرا عن أفعالك ألا تقول رسبت في الإمتحان لأن أختى فعلت، لأن أختى لبست.. لأن اختى قلعت.. أنت لم تخلق هذا العالم لتفرض على الآخرين شروطك.. قوم نفسك أولا لتكون قدوة للآخرين قبل أن تطلب منهم أن يكونوا على مثالك.
 
ويمكنك أن تبدأ بأن تكنس غرفتك بيدك.. وتغسل أطباقك بيدك.. وتنظف فراشك بيدك.
إن الزريبة زريبة لأنك لا تفكر بأن تمد يدك. بأي مساهمة في تنظيفها.
وأختك قذرة.. هذا صحيح.
ولكنك لا تفعل أي شيء لتكون نظيفا.
إن ما تفعله أختك لا يسقط عنك المسئولية إلا إذا كنت أنت الآخر صفرا.. بلا إرادة.. وبلا عقل.. وبلا يدين.. كل دورك في الحياة أن تنتظر ما تفعله أختك.
 
وبالمعنى الواسع لنا أخوة في الإنسانية قتلة وسفاحون ولصوص، وبائعو مخدرات وهاتكوا اعراض.. فهل نتخذ من هؤلاء الأخوة عذرا لنلقي المسئولية عن اكتافنا ونقول رسبنا وفشلنا بسبب هؤلاء الأخوة.
وأختك نموذج رديء بلا شك ولكنه نموذج شائع جدا، وكثير من البنات مثلها لا هم لهن إلا الثوب والمرآة والمشط وإنتظار العريس فهل معنى هذا أن نصاب جميعا بالعقم والفشل.
لن تكون رجلا إلا في اللحظة التي تتصرف فيها بإستقلال كامل عما تفعله أختك وتعثر على شخصيك الخاصة، وتصنع مصيرك كما تريد أنت لا كما تتخيلك الهانم وأمها.

0 التعليقات

إرسال تعليق