رائعة مصطفى محمود عن الموت

كتاب لغز الموت من اروع كتب مصطفى محمود على الاطلاق التى وصف فيها الموت وكيفية موجهة البشر لهذه المصيبه التى تحل كالصاعقه على اهلها ونترككم مع هذا المقال الجميل من كتاب لغز الموت لمصطفى محمود

ونعرض المقال على جزئين ونبدا بالجزء الاول

كل منا يحمل جثته على كتفيه.. 
ليس هناك أغرب من الموت.. 
إنه حادث غريب.. 
أن يصبح الشيء .. لا شيء.. 
ثياب الحداد .. و السرادق .. و المباخر .. و نحن كأننا 
نتفرج على رواية .. و لا نصدق و لا أحد يبدو عليه أنه يصدق.. 
حتى المشيعين الذين يسيرون خلف الميت لا يفكرون إلا في المشوار. 
و أولاد الميت لا يفكرون إلا في الميراث. 
و الحانوتية لا يفكرون إلا في حسابهم. 
و المقرئون لا يفكرون إلا في أجورهم.. 
و كل واحد يبدو أنه قلق على وقته أو صحته أو فلوسه.. 
و كل واحد يتعجل شيئاً يخشى أن يفوته .. شيئاً ليس الموت أبداً. 
إن عملية القلق على الموت بالرغم من كل هذا المسرح التأثيري هي مجرد قلق على الحياة.. 
لا أحد يبدو أنه يصدق أو يعبأ بالموت .. حتى الذي يحمل النعش على أكتافه. 
الخشبة تغوص في لحم أكتافه .. و عقله سارح في اللحظة المقبلة و كيف يعيشها.. 
الموت لا يعني أحداً .. و إنما الحياة هي التي تعني الكل. 
نكتة.. ! 
من الذي يموت إذاً ؟.. 
الميت ؟.. 
و حتى هذا .. لا يدري مصيره.. 
إن الجنازة لا تساوي إلا مقدار الدقائق القليلة التي تعطل فيها المرور و هي تعبر الشارع.. 
و هي عطلة نتراكم فيها العربات على الجانبين .. كل عربة تنفخ في غيرها في قلق . لتؤكد مرة أخرى 
أنها تتعجل الوصول إلى هدفها .. و أنها لا تفهم .. هذا الشيء الذي اسمه الموت. 
ما الموت .. و ما حقيقته.. 
و لماذا يسقط الموت من حسابنا دائماً . حتى حينما نواجهه. 
* * * 
لأن الموت في حقيقته حياة. 
و لأنه لا يحتوي على مفاجأة.. 
و لأن الموت يحدث في داخلنا في كل لحظة حتى و نحن أحياء.. 
كل نقطة لعاب .. و كل دمعة .. و كل قطرة عرق .. فيها خلايا ميتة .. نشيعها إلى الخارج دون 
احتفال.. 
ملايين الكرات الحمر تولد و تعيش و تموت .. في دمنا .. دون أن ندري عنها شيئاً .. و مثلها الكرات 
البيض .. و خلايا اللحم و الدهن و الكبد و الأمعاء .. كلها خلايا قصيرة العمر تولد و تموت و يولد 
غيرها و يموت .. و تدفن جثثها في الغدد أو تطرد في الإفرازات في هدوء و صمت .. دون أن نحس أن 
شيئاً ما قد يحدث. 
مع كل شهيق و زفير .. يدخل الأكسجين .. مثل البوتوجاز إلى فرن الكبد فيحرق كمية من اللحم و 
يولد حرارة تطهي لنا لحماً آخر جديداً نضيفه إلى أكتافنا. 
هذه الحرارة هي الحياة.. 
و لكنها أيضاً احتراق .. الموت في صميمها .. و الهلاك في طبيعتها. 
أين المفاجأة إذن و كل منا يشبه نعشاً يدب على الساقين .. كل منا يحمل جثته على كتفيه في كل لحظة 
.. 
حتى الأفكار تولد و تورق و تزدهر في رؤوسنا ثم تذبل و تسقط .. حتى العواطف .. تشتعل و تتوهج 
في قلوبنا ثم تبرد .. حتى الشخصية كلها تحطم شرنقتها مرة بعد أخرى .. و تتحول من شكل .. إلى 
شكل.. 
إننا معنوياً نموت و أدبياً نموت و مادياً نموت في كل لحظة. 
و أصدق من هذا أن نقول أننا نعيش . مادياً نعيش و أدبياً نعيش و معنوياً نعيش .. لأنه لا فرق يذكر 
بين الموت و الحياة .. لأن الحياة هي عملية الموت. 
لأن الأوراق التي تنبت من فروع الشجرة .. ثم تذبل و تموت و تسقط .. و ينبت غيرها .. و غيرها .. 
هذه العملية الدائبة هي الشجرة.. 
لأن الحاضر هو جثة الماضي في نفس الوقت. 
لأن الحركة هي وجودي في مكان ما و انعدامي من هذا المكان في نفس اللحظة . فبهذا وحده أمشي و 
أتحرك .. و تمضي معي الأشياء.. 
لأن الحياة ليست تعادلية , و لكنها شد و جذب و صراع بين نقيضين , و محاولة عاجزة للتوفيق بينها في 
تراكيب واهية هي في ذاتها في حاجة للتوفيق بينها .. مرة .. و مرة و مرات .. بدون نهاية و بدون نجاح 
أبداً .. و بدون الوصول إلى أي تعادلية.. 
الحياة ليست تعادلية بين الموت و الوجود و لكنها اضطراب بين الاثنين و صراع يرفع أحدهما مرة و 
يخفضه مرة أخرى. 
الحياة أزمة .. و توتر.. 
و نحن نذوق الموت في كل لحظة .. و نعيشه .. فلا نضطرب بل على العكس .. نحس بكياننا من خلال 
هذا الموت الذي داخلنا .. و نفوز بأنفسنا , و ندركها , و نستمتع بها.. 
و لا نكتفي بهذا.. بل ندخل في معركة مع مجتمعنا .. و ندخل في موت و حياة من نوع آخر . موت و 
حياة على نطاق واسع تتصارع فيه مجتمعات و نظم و تراكيب إنسانية كبيرة. 
و من خلال هذا الصراع الأكبر . نحس بأنفسنا أكثر .. و أكثر .. إنها ليست خلايا تتولد و تموت في 
جسد رجل واحد . و لكنها أيضاً مجموعات بشرية تولد و تموت في جسم المجتمع كله. 
إ.ا الموت يحدث على مستويات أكبر. 
الموت إذن حدث دائب مستمر .. يعتري الإنسان و هو على قدميه و يعتري المجتمعات و هي في عنفوانها 

0 التعليقات

إرسال تعليق