أهل الله وأهل الشيطان

تطالعنا الاخبار كل يوم عن حوادث الشغب والتظاهر فى ايران .. لكن ما يلفت النظر أن الشعارات المرفوعة هى شعارات دينية .. وان وراء هذه الشعارات أموالا سوفيتيه  تنفق بسخاء
إنهم يحرقون المؤسسات ودور السينما ويقتلون الأطفال والشيوخ والنساء هناك باسم الدين .. وهو أمر مريب .. فالسينما أداة علمية محايدة شأنها شأن البترول والبخار والذره والكهرباء .. وهى أدوات يمكن أن تستخدم فى الخير ويمكن أن تستخدم فى الشر والفيلم السينمائى يمكن أن يكون داعيا الى  الحق والخير والجمال كما يمكن ان يكون داعيا الى الانحلال ولا ذنب لدور السينما ولا لرواد السينما وإنما الذنب ذنب العقول الماكرة والمذاهب التى تستخدم هذه الأدوات للتهديم والسوفيت هم أول من استخدم السينما لهدم الأفكار الدينية ونشر المادية فى  العالم كله
ولا يمكن حتى للعقل الساذج البسيط ان يصدق هذه الغيرة الدينية من الرفاق السوفيت .. انها مثل للغيرة على القضية الفلسطينية فى الشعارات السوفيتية المعلنة فى الوقت الذى تسبق روسيا كل الدول فى الاعتراف باسرائيل ثم تكون أول من يمسك بيد عبد الناصر عن المبادرة بالهجوم على اسرائيل فى حرب 67 ثم تمنع عنا السلاح فى حرب 73 ثم تحاول ان تجهض المعركة فى ايامها الاولى ثم هى الان تمنع السلاح عن سوريا بينما تهتف البرافدا لفلسطين والفلسطينيين طوال الوقت فى تبجح وتناقض عجيب
إنها إذن جزء من ظاهرة الدجل والمتاجرة بالدين
وهى لا تفترق كثيرا عن شعارات الاب جيم جونز الذى ساق اتباعة الى مجزرة باسم الدين أو عن جماعة التكفير والهجرة التى ساقت اتباعها الى الجريمة باسم الإسلام .. وكل زعيم يحاول ان يستدرج أتباعه الى ولاء أعمى وتبعية مطلقة هو من نفس الفصيلة وان تكلم بلغة اخرى .. وهتلر فى كتابه كفاحى والنازية والفاشية والدبابات السوفيتية حينما اقتحمت المجر والجيش الروسى حينما اقتحم تشيكوسلوفاكيا والذرائع الثقافية للطغيان والدكتاتورية فى كل مكان كانت كلها من نفس النوع ومن نفس الفصيلة .. كلها كانت محاولات لترويج مصاحف بديلة واعلان آلهة بديلة وجر الأتباع الى ولاء أعمى وإيمان أعمى ودعوة الى حماس دينى تختلف فيه الرايات أحيانا وتتفق ولكنها كلها تسير فى نفس الاتجاه وتأخذ الشباب من  نفسه نقطة الضعف .. نقطة الفراغ الدينى والتعطش الى الهدف والمثال والحق والخير

انها جميعها تحاول ان تقدم له همزة الوصل
وفى همزة الوصل بين شباب مثالى مندفع وبين أهداف يزوقها كل فريق على هواة ويدعى أنها الحق ..
ولكن الحق هو الله سبحانه وتعالى والله هو المنبع الوحيد للاخلاق وللكمال كما قال برجسون وكما نقول نحن فى القرآن وكما يقول كل دين ..
والخواء والفراغ والخراب النفسى الذى يعيش فيه شباب العالم الان هو بسبب افتقاد همزة الوصل تلك
ان همزة الوصل الناقصة هى التى أودت بالشباب الى هذه الانفجارات الانتحارية
وهى وراء كل تطرف إجرامي او عدوانى وهى وراء إدمان المخدرات وحالة الهروب والاغتراب وجماعات الهييبيز
إنه دائما شباب يفتقد الهدف والغاية
وقد نجح الزعماء العدوانيون العظام أمثال هتلر وستالين وماركس ومن قبلهم زعماء الفرق المتطرفة أمثال الخوارج والقرامطة وجماعة التكفير والهجرة وجماعة القس جونز .. كل هؤلاء نجحوا مع اتباعهم لانهم قدموا لهم همزة وصل مزيفة وقدموا محرابا بديلا عن المسجد والكنيسة وإيمانا مريضا بديلا عن الإيمان السليم وهدفا يصلح لامتصاص الطاقة الشبابية وشغل الوقت الضائع
وفى مواجهة هذه الانفجارات التى تحدث فى كل مكان لم تعد تجدى العقاقير المسكنة والعلاجات الجزئية ولم تعد تنفع الجراحات الوقتية .. وانما اصبح واجبا ان  تواجه جميعها  بمواجهة أسبابها وعلاجها كلها بإصلاح جذرى .. ولن يتحقق ذلك إلا بأن نقدم للشباب ما ينقصه بالفعل .. همزة الوصل الحقيقية التى تملأ خرابة النفس وتعمر خواءه وتنور باطنه .. وذلك بالدين الحقيقى والإيمان السوى والصلة المثلى بينه وبين ربه
بهذا وحده سوف تهدأ نفسه ويسكن وجدانه وتستعيد فطرته توازنها ويتحول قلبه المريض المنعزل العدوانى الى قلب محب مشارك مسارع الى الخير والبذل والعطاء
هناك ضرورة فى العالم كله لاحياء دينى يرفع راية حق بين كل الرايات المضللة الموجودة والاحتياج عالمى لأن النقص عالمى والمرض عالمى والاعراض المنذرة تشهد فى كل مكان على صدق التشخيص ولبلوغ مثل هذا الهدف لابد من إعادة تقديم الدين فى أصوله النقية وبلغة عالمية عصرية تخاطب الكل فى كل مكان وليس بلغة طائقية منغلقة متعصبة
لابد من تقديم الدين فى روحه وجوهريته وليس فى شكلياته .. الدين كتوحيد وخلف ومسئولية وعمل بالدرجة الأولى الدين كحب ووعى كونى وعلم وتقديس للخير والجمال
ولم يضر الإسلام شيىء مثلما ضرته الانقسامات والاختلافات حول الشكليات والمظاهرات والفرق فى هذه التفاصيل الى درجة نسيان لب الموضوع
  • هل يجب أن تغطى الطرحة وجه المرأة أم شعرها فقط ..؟
  • هل حلق اللحية وترك السواك كفر ..؟
  • هل يكون غسل اليدين فى الوضوء الى المرافق او شاملا للمرافق ,,؟!!
  • هل الاستنجاء بالحصى افضل او بالماء ..؟
  • هل اقتناء الصور وتعليقها على الجدران حرام ..؟
  • هل لبس النيلون للرجال حكمة حكم لبس الحرير حرام ..؟
وعشرات وعشرات من القضايا الجزئية يكفر فيها الواحد الآخر وتضيع روح الإسلام ويضع لبابه بسبب الفرق والتنابذ حول هذه القشور والتفاصيل
والمطلوب فهم جديد عصرى يطرح هذه الخلافات ويدع تلك القشور وينفذ الى الروح ليستطيع مخاطبة العقل العصرى المصاب فى صميمه
ولو أننا سنفهم السنة النبوية على أنها لحية فان راسبوتين اكبر فساق عصره وصاحب اكبر لحية سوف يكون اكثر اتباعا للنبى من ابى بكر وعمر .. وماركس بلحيته العظمى سوف يسبق الكل ..
بل السنة فى نظرى هى أتباع الرسول فيما تميز به من خلق وايمان وعقيدة وصفاء نفسى وليس فيما كان يتسوك به أو يكتحل أو  يلبس أو يأكل
ولقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يركب البغلة فلماذا لا يتخذها أصحابنا سنة ويتركون ركوب الطائرات والقطارات ويعودون الى البغال .. لماذا يتهاونون فى هذه الحكاية ويتعاركون حول الذقن واللحية
بل هى مسائل شكلية كانت مرتبطة بالعصر فلما تغير العصر تغيرت هى أيضا .. يستوى فى ذلك ركوب البغلة أو استعمال السواك أو إطلاق اللحية .. وهى أمور لا تقدم ولا تؤخر
انما الدين هو الأمور الثوابت وليس المتغيرات
وانما السنة هى اتباع الرسول فيما تميز به وتفوق على اقرانه
وحينما اختلف المشركون على حمل الحجر الأسود قبل البعثة وتشاجروا أيهم يحمله ثم ظهر محمد على الطريق .. صاحوا جميعا .. هذا الامين هذا محمد .. وأخذوا بنصيحته .. لم يقولوا .. هذا هو الرجل ذو اللحية .. ولم يقولوا .. هذا هو صاحبنا الذى يستاك .. بل قالوا هذا الأمين هذا محمد .. لأن السواك واللحية كانتا أمورا  عادية فى ذلك الوقت وكان أبو جهل ملتحيا وكان أبو لهب يستاك بالسواك .. انما تميز محمد على الكل بالامانة .. وهنا جماع الأمر .. وهنا روح المسألة .. وهنا الامتياز الذى علينا ان نحاول تقليد الرسول فيه والير على قدمه .. وهذا معنى السنة فى نظرى .. أما الباقى فأمور لا تقدم ولا تؤخر
وبهذا الأسلوب ندعو الى الدين بأن نجلو روحه وجوهرة ونقدمه رسالة عالمية للعالم وليس بأن تختلف ونتعارك فرقا وطوائف على  شكليات وأمور ثانوية فان الله قد قال فى كتابه ” ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك .. لمن يشاء ” وبهذا قطع ربنا بأن فى الدين قضية جوهرية هى روح الأمر وما هيته تلك هى التوحيد وما دون ذلك امور ثانوية يمكن أن تكون محل مغفرة ..
وفى عالم أرتد الى جاهلية شرسة وعاد ملحدا كافرا ماديا علينا ان نبدأ معه من البداية من الأبجدية الدينية من القضية الجوهرية وليس من الشكليات والثانويات مثل اللحية والطرحة والسواك
ان استحضار معنى الله الواحد فى وجدان المواطن اصبح للقضية الأولى العاجلة فالعالم انحدر الى غفلة مادية وانشغال كامل والله اصبح غائبا عن الوجدان الانسانى الغارق  فى التفاصيل الاستهلاكية واللذات السريعة .. والتليفزيون والسينما والمسرح والراديو والكتاب والمجلة اصبحت ادوات خطيرة تزيد من اغراقنا فى الغفلة والغيبوبة والاغماء الحسى بالأغانى الجنسية واقلام الجريمة واعلانات الاثارة ومباريات الدورى والمصارعة الحرة وروايات رعاة البقر .. والنتيجة ان انحدرت النوعية الانسانية الى نوعية حيوانية بقرية فأصبحنا نرى الناس يتناطحون افرادا وجماعات كالجواسيس والأبقار على اللقمة والدرهم وقيراطا الأرض والمرأة وزجاجة النبيذ
ان الدعوة المطلوبة اذن هى دعوة توقظ النفوس على جوهر القضية وروح الامر .. دعوة تتكلم بلغة العصر وتخاطب الكل دون تعصب ودون تطرف وتحاول ان تمس فى قلب المواطن ذلك الفراغ والخواء والهمزة المفقودة بينة وبين أصله وتحاول أن تعبده فى رفق الى أيام وصله بأسلوب سوى لا عدوانية فيه ولا تشنج ولا احتفال فيه بالتفاصيل والأمور
الثانوية ..
الدين كما هو وكما أنزله الله الدين الذى يحب العلم والفن ويدعو الى التقدم والتطور ويشجع التكنولوجيا والإبداع الخصب
من هنا يمكن أن يبدأ الإصلاح الحقيقى لكل هذه الظواهر الانفجارية وان لم يبدأ هذا الإصلاح من الأن فان الوقت الضائع سوف يعجل بكوارث ومفاجآت غير محسوبة يمكن ان تفاجئنا هنا أو فى أى مكان من العالم فالنار تسرح فى الفتيل كما قلت وهناك قنبلة دينية وشيكة الانفجار وهم يحرقون دور السينما فى ايران ويقتلون الاطفال والشيوخ باسم الدين وهناك أموال سوفيتيه تنفق لإشعال هذه النار .. إن الكل يدعى انه يقتل فى سبيل الله حتى الماركسى الذى لا يؤمن بالله قد رفع لافته مزيفه واطلق اللحية البخور وامسك بمسبحة .. وقريبا سوف يختلط الحابل بالنابل فى سوق الدجل ولن تستطيع العين أن تتبين أهل الله من أهل الشيطان
لقد طلعت النذر فى الأفق
وعلينا بالمسارعة الى العلاج قبل ان تسبقنا الحوادث

0 التعليقات

إرسال تعليق