الحكم الاسلامى .. متى .. وكيف ؟ وختاما

كثر الكلام وتدافعت الى رأسى الشماريخ والنبابيت وخرجت الألفاظ عن الموضوع واستعدى أحدهم السلطة فقال انى خارج عن الأمة واتهمنى فى العقيدة فقال أنى الحدت فى أسماء الله وتكلمت عن الله بما لا يليق وهى نغمة مألوفة من ناس تعودوا ان يخاطبوا القراء من عل وتصوروا ان الاستعلاء والغطرسة واتهام الناس بالكفر أمور واجبة لابهة العلم وهو أسلوب لم يثمر إلا ازدياد الفجوة بين رجال الدين وبين جمهورهم

ولكن تلك مهاترات خرجت بنا عن الموضوع وضيعت الوقت فيما لا يفيد .. بينما ظل السؤال مطروحا .. وبشدة
الحكم الإسلامي .. ومتى .. وكيف ؟
وقد أتفق الجميع فى شوقهم الى الإسلام .. ثم اختلفوا على الكيفية والتوقيت
البعض قال .. من الآن وفورا بالسلطة وبالقانون
والبعض قال معنا .. تسير هونا خطوه خطوه

وأقول توضيحا للمسائل .. ان السلطة مهما بلغت من تقطيع للأيدى ورجم للناس وجلد للظهور فإنها لن تصنع مسلما واحدا حقيقيا والعنف لا يثمر بل يثمر نفاقا وخوفا ورعبا ومداهنة .. وذلك شر من الكفر ..
” ان المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا “

وانما يأتى الإسلام بثمرته بالطريق الطبيعى الذى امر به الله وذلك بإحياء الضمائر ويكسب القلوب طواعية واختيارا
والمجتمع المراد اصلاحة هو بالدرجة الأولى أفراد واسر ولا صلاح لمجمع أفراده فاسدون واسره مفككه

فلا مفر اذن من أن يبدأ الفرد بنفسه وبأهله وبجيرته وبعشيرته.
تلك بداهات لا يختلف فيها الا مكابر.

والطفرة حتى الطفرة بالفضيلة على مستوى مجتمع استشرى فيه الفساد أمر غير ممكن .
وكمثال نأخذ النظام الاقتصادي الذى نتعامل به اليوم .. فالبنوك الحالية نظامها ربوى .. والاقتصاد الغربى الذى نتعامل به والذى يتعامل به العالم كله هو اقتصاد ربوى .. وهو حرام .
والله قد أعلن الحرب على الربا والمرابين فى القرآن الكريم فقال
للمرابين : فأذنوا بحرب من الله ورسوله ..
فهل نستطيع ان نتخلص من هذه البنوك فورا وهل نستطيع إلغاء هذا النمط من الاقتصاد بضربة واحده ؟
غير ممكن لسبب بسيط.

أن علاقاتنا الاقتصادية وتعاملاتنا هى جزء من شبكة عالمية من التعاملات ولا نستطيع ان ننفرد وحدنا بقطع هذه التعاملات دفعة واحدة .. لا يكون أشبه بأن نقطع أوردتنا وشراييننا .. ولن يكون هذا علاجا حتى على فرض ان الدم الذى يجرى فى هذه الشرايين فاسد .
إنما الحل هو ان نزرع بقوة جديدة فتنشىء فى مواجهة الخمسين بنكا ربويا بنكا إسلاميا واحدا ثم بنكا أخر ثم بنكا ثالثا .. وبذلك نزرع اقتصادا منافسا.

وشيئا فشيئا ينمو هذا الاقتصاد المنافس .. ثم تأتى اللحظة التى تؤلف فيه شبكة البنوك الإسلامية فى العالم العربى اقتصادا جديدا بديلا.
وبذلك تصل بالتدريج الى ما كان مستحيلا بالطفرة .

وهذا هو الوصول الى الحكم الإسلامي خطوه ومرحلة بعد مرحله.
سادتى الرافضين .. هل عندكم حل آخر .. وهل يوجد حل آخر لمثل هذه المشكلة ولمثل هذا النوع من الحرام.
ثم كيف بالله عليكم نقطع يد سارق الجنيهات العشر ونترك سارق الملايين العشرة الذى أخذها بالرشوة والتزوير والاختلاس والعمولات والابتزاز بحجة ان شروط القطع لا تنطبق عليه .
الا ترون ان فى هذا الفهم للشريعة ثغرة.

ثم الا يعنى هذا أننا لابد قبل البدء فى تنفيذ حدود القطع ان تراجع قوانيننا ونستنبط أحكام تعزيز جديدة تلائم المتغيرات الجديدة التى ظهرت فى  عصرنا لنسد هذه الثغرات.
وكيف تعاقب الشاب على أثرنا والمناخ الفتى والإعلامي الذى يعيش فيه الشباب يشجع على الزنا ويحض عليه بالفيلم والأغنية والقصيدة والصورة وكيف تقوم باستئصال هذه الفنون دفعة واحدة

هل نجعل التليفزيون كله تواشيح وابتهالات وتلاوات قرآنية وموعظة منبرية.
وماذا يفعل المشاهد أمام هذا التغيير المفاجىء.
الا يغلق الجهاز ويتحسر على أيام الفساد ويتمنى ليلة من ليال زمان ..
اليس من الأوفق ان يتم هذا الأمر بالتدريج مع استبدال إعمال فنية جديدة هادفة بالفنون الهابطة بحيث لا يشعر المشاهد بالملل ولا يشعر بغياب الفن والأبداع والابتكار عن الشاشة.

وهل يمكن أن تولد هذه الأعمال الفترة المبتكرة والهادفة فى أربع وعشرين ساعة
والحكم الإسلامي الذى سوف يهدف الى توزيع عادل للثروة .. الا يلزم لنجاح هذا الحكم ان تكون هناك ثروة وافرة لتوزع .. أى إنتاج عال فى الكم والكيف ..
اذن لابد ان يلتفت هذا الحكم بالدرجة الأولى الى رفع الإنتاج كما وكيفا ليكون هناك رخاء يوزع على الناس فلا يحدث ما حدث مع الخمينى .. يأتى الرجل فيأتي معه هبوط فى الإنتاج  وبطالة تصل الى مليونى عاطل وصراع طائفى وانقسام بين آيات الله الذين يجلسون على مربع السلطة .. فماذا يجدى حينئذ قطع يد أو عشر أيد فى نظام جلب الناس فقرا وبطالة وعوزا.
وهل يكون هذا إسلاما حقيقيا .

ان الإسلام دين علم وعقل وعدالة وحرية .
والأخلاق الإسلامية لن تأتى بانقلاب ولا بثورة ولا بالعصا ولا بالقهر.
ولكن لابد لتاتى بثمراتها ان تولد اختيارا باحياء الضمائر وبوجود القدوة وبظهور الصفوة من الرجال الأتقياء الذين يسيرون على قدم النبى حذو النعل بالنعل.
اذن هو أمر لن يأتى غدا وان كان قد أظلنا زمانه واقترب أوانه .. وهو لن يأتي بالهتاف ولكن بالدراسة والعلم .
أنما نحن تمهيدا له ومقدمة لظهوره .. وهذا حظنا وحظ أهل التوفيق منا ممن يقبل الله أعمالهم .. ونرجو ان نكون منهم

بقلم الدكتور مصطفى محمود بتاريخ
21-10-1979

0 التعليقات

إرسال تعليق