وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا

بقلم المغفور له باذن الله الدكتور مصطفى محمود..

الباحث عن لحظة هدوء في هذا الزمان لا يجدها.. إذا فتح الراديو تنهال عليه تشنجات قادة إسرائيل، و تهديدات صدام، و أخبار الزلازل و السيول و الأعاصير.. و إذا فتح التليفزيون تنهمر عليه مسلسلات العنف و الباتمان و حرب النجوم.. و إذا طالع صحف الصباح تفاجئه أخبار انهيار البورصة و جنون البقر و الإيدز و إذا بحث عن موسيقى يري...ح عليها أعصابه أو أغنية تهدأ لها عواطفه نزلت عليه لقطات الفيديو كليب تتقافز صورها و تتشنج رقصاتها و تتسارع إيقاعتها في إزعاج متواصل.. و إذا فتح الشباك قرقعت في آذانه أبواق السيارات و أصوات الميكروفونات و صراخ الباعة..

و إذا أغلق الشباك و نزل إلى الطريق خنقه الزحام.. و إذا انطلق هاربا إلى الأتوبيس لم يجد موقعا لقدم.. و إذا حمل أوراقه و شهاداته و أسرع ليتقدم لوظيفة وجد طابور طلاب الوظائف يسد الشارع.. و إذا بحث عن شقة لم يجد ثمنها.. و لا احتمال قريبا في عمل، و لا أمل في زواج، و لا أمل في حل سريع يأتي من السماء.. و في آخر المشوار يُسقط في يده.. و لا يجد حلا سوى أن يعود أدراجه إلى البيت إلى فراشه أو إلى ستين سنة إلى الوراء إلى ماض بعيد و إلى جيل انتهى.. إلى الشدو الهادئ في صوت أم كلثوم.. و إلى الحنان الرخيم في صوت عبد الوهاب.. و إلى دندنة هادئة مع العود.. بدون فيديو كليب.. و إلى الجمال البكر بدون افتعال.. و إلى البساطة العذبة بدون صنعة.. و إذا مس زرار الراديو في ذلك الزمان البعيد فإنه سوف ينقله إلى شوبان.. إلى الحلم.. و الخيال الناعم.. و السماوية الرحبة.. و الشوارع أيامها خالية.. و المواصلات مريحة.. و شقق للإيجار تتدلى لافتاتها من النوافذ.. و المرتب يكفي و زيادة.. و جلسة على شاطئ النيل هي كل المراد.

ماذا حدث للدنيا ؟!! و لماذا يصرخ المغنون.. و لماذا يتشنج الراقصون ؟! و لماذا هذه الإيقاعات المزعجة و الموسيقى النحاسية التي تخرق الآذان ؟!

هذه الأمور تفصح عن فقر فني.. و ذوق فاسد.. و بلادة سمعية.. ما ضرورتها لصوت جميل بالفعل ؟!

و هذا التسويق الفج.. ما الداعي إليه.. لولا سوء البضاعة و رخص الموهبة ؟.. و اضحكوا معي على الغلاء الطاحن.. مع رخص الناس.. و رخص الفن.. و انعدام القيم.. و تفاهة البضاعة.

إننا معاقبون يا سادة بهذا الضنك.. و تأملوا كلمات ربكم:

(( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا (124) )) [ طه ]

أليس عالم اليوم قد تلخص كله في هذه الكلمة البليغة.. (( الضنك )).. (( و الإعراض )) ؟! أليس العالم قد أعرض تماما عن كل ما هو رباني و غرق تماما في كل ما هو علماني و مادي و دنيوي و شهواني و عاجل و زائل.. و الكلام على مستوى العالم كله !

الكل متعجل يريد أن يغنم شيئا و أن يلهف شيئا.. لا أحد ينظر فيما بعد.. و لا فيما وراء..

الموت لا يخطر ببال أحد.. و ما بعد الموت خرافة.. و الجنة و النار أساطير.. و الحساب حدوتة عجائز.. و الذين يحملون الشعارات الدينية.. البعض منهم موتور و البعض مأجور.. و المخلص منهم لا يبرح سجادته و يمشي إلى جوار الحائط.. فهو ليس مع أحد.. و ليس لأحد.. و إنما هو مشدوه و منفصل عن الركب.. و مشفق من العاقبة.. و هو قد أغلق فمه و احتفظ بعذابه في داخله.. و اكتفى بالفرجة.

و الناس في ضنك.. و كل العالم: أغنياؤه و فقراؤه.. كلهم فقراء إلى الحقيقة.. فقراء إلى الحكمة.. فقراء إلى النبل.

و أكثر الأنظار متعلقة بالزائل و العاجل و الهالك.

و الدنيا ملهاة.

و هي سائرة إلى مجزرة. فالله في الماضي كان يوقظ خلقه بالرسل و الأنبياء.. و اليوم هو يوقظهم بالكوارث و الزلازل و الأعاصير و السيول.. فإذا لم تجد معهم تلك النذر شيئا ألقى بهم إلى المجازر و الحروب يأكل بعضهم بعضا و يفني بعضهم بعضا.

و حروب المستقبل حروب فناء تأكل الأخضر و اليابس و تدع المدن العامرة خرابا بلقعا.

و نحن على حافة الرعب و الصراع المفني. و ماذا يهم ؟! ماذا يهم ؟! فالمغنية تغني و تتلوى على المسرح.. في إيقاع أفعواني.. تحت بقعة الضوء.. و الألوف يرقصون كالأشباح في الصالة دون وعي..

ماذا تقول..

لا أحد يصغي إلى ما تقول.. و إنما الكل يصرخ و يصفق و يهتف و يتلوى كأفاع مسحورة.. و الطبول و الدفوف و الإيقاع الهمجي قد حول الكل إلى قطعان بدائية ترقص في شبه غيبوبة.

و لا تملك و أنت تستمع معهم إلا أن تفقد اتزانك و قدميك ثم تصبح جزءا من هذا اللاوعي المفتون.. و قد خيم على الجو إحساس الكهوف البدائية.

هل انتهت الحضارة فجأة.. و عدنا إلى كهوف الإنسان الأول ؟! هل تبخر العقل.. و لم تبق إلا غرائز تعوي و تتلوى على الطبول و الدفوف ؟! نعم.. يا سادة.. تلك هي نهاية علمانية اليوم.

و تلك هي احتفالية العالم بنهاية الإيمان.

احتفالية بالعقل الذي أسلم نفسه للهوى.

و الحكمة التي نزلت عن عرشها للغرائز و الإنسان الذي أسلم قياده للحيوان.

و ماذا يهم..؟!!!

لا شيء يهم...!!!

إننا نرقص اليوم للفجر.

و ليكن غدا ما يكون.

هكذا تعلمنا في سهرات (( الدش )) و إبداعات مادونا و جاكسون و فنون الموجة الشبابية الجديدة و برامج الأقمار و الفضائيات القادمة علينا من أمريكا و أوروبا.

و ذلك هو العصر العجيب الذي نعيش فيه..

أمريكا – القطب العملاق الذي يحكم العالم – تخصصت في صناعة الغيبوبة لشباب هذا العالم.. عن طريق أفلام الحب و العنف. و الرعب و أساطير الخيال العلمي و عن طريق الرحلات الفضائية و الصواريخ المنطلقة إلى القمر و المريخ و زحل و المشتري.. و عن طريق ترسانة كيميائية تنتج عقاقير الهلوسة و إكسير الشباب و الفياجرا و من أمريكا خرجت أكذوبة الميلاتونين.

و من أمريكا خرج الديسكو و الجاز و نوادي الشواذ.. و من أمريكا انتشرت صناعة الغيبوبة لتصبح صناعة مقررة في أكثر الحكومات و سلاحا مشروعا تحارب به الأزمات و تشغل به الشعوب عن متاعبها.

سلاح اسمه (( الهروب اللذيذ )).. على أنغام الموسيقى و الديسكو و على رقصات المادونا.

و لا أحد يكره أن يهرب من مشاكله في ساعة لذة و إغماء غيبوبة بل كل مراهق يحلم بهذا الهروب اللذيذ و يسعى إليه.

و هذه الفكرة الإبليسية هي التي يدير بها الكبار العالم.

و حرب الخليج كانت هي (( النهب اللذيذ )) لبترول الخليج و ثرواته.. و لكن الاسم المعلن لهذا النهب كان شعارات مبهرة عن تحرير الشعوب و نجدة الضعفاء و نصرة الديمقراطية و إعادة الشرعية.. الخ.. الخ.. إلى آخر الأسماء الجذابة الخلابة التي تدير الرؤوس و تسكر النفوس.

و الإعلام هو دائما الأداة الإبليسية لهذا النهب اللذيذ.. و الاستعمار اللذيذ.. و الهروب اللذيذ..

(( ن و القلم و ما يسطرون ))...

و ما أعجب ما يصنع القلم.. و ما أعجب ما يسطر ذلك القلم الذي يميت و يحيي، و يسحر و يفتن، و يوقظ و ينيم، و يبني و يخرب، و يهدي و يضل.

و هناك الآن أقلام عظيمة تجيد صناعة هذا (( التيه )).

و مؤسسات عالمية تصنع للشعوب الدوار.. و تتفنن في تسمية الأشياء بغير أسمائها.. و تسبغ هالات المجد على تفاهات.. و تروج للجريمة و الشذوذ و فنون الغيبوبة.

و أصبح من لزوميات هذا العصر أن يكون في أذن كل مستمع (( فلتر )) لكشف الزيف في الكلمات و المرائي و المشاهد.. خاصة في المشاهد العسل.. و الكلمات العسل.. و الوعود العسل.. التي يقصد بها النوم في العسل..

و إذا فتحت ال C. N. N أو أي محطة اجعل هدفك هو البحث فيما وراء ما تسمع.. البحث فيما وراء المقاصد.. و فيما وراء الأهداف من كل كلمة و كل خبر و لا تحسن الظن.. فإن سوء الظن الآن هو من حسن الفطن.

و لا تنم على الشعارات و الأماني و الوعود الطنانة فقد لا تصحو و لا ترى تحقيق تلك الوعود أبدا.. و قد تفاجأ بها تنقلب إلى ضدها.. مثل وعود نتانياهو و اتفاقات أوسلو و مدريد و شعارات حقوق الإنسان التي يطلقها القطب الأمريكي الأوحد و ضع كل هذا الكلام في سلة المهملات و انظر في الأفعال و سوف ترى.. الأرض في مقابل السلام تصبح: الأمن في مقابل السلام، ثم: السلام في مقابل السلام، ثم: السلام في مقابل لا شيء.. و هذا هو الفيديو كليب السياسي.. و اتفاقات (( القص و اللزق )) كل يوم على مقاس الوعي العربي.. و الصف العربي.. و اللي مش عاجبه يشجب.

و هذا التياترو السياسي العالمي في عصر كلينتون و المسرح الإعلامي الآن يضاء من جديد و الصالة تضج بالتصفيق و الهتاف و المادونا الفاتنة تتهادى في ضباب الأضواء برقصها الأفعواني.. و الموسيقى تدير الرؤوس و تسكر النفوس و الطبول تدق بإيقاعها الهمجى و الدفوف ترتعش لتأخذ الكل في دوامة من الدوار اللذيذ.. إنها مونيكا.

و جرعة أخرى من عقار الغيبوبة السحري تتسلل إلى العروق و تلف الكل في غلالة من النسيان..

و بوركت ليالي الأنس يا صاح.. فما عاد أحد من الحضور يعرف نفسه.. و لا عاد أحد يدري بمكانه.. أو زمانه أو حاضره أو ماضيه أو مستقبله..

و لا شك أن التليفزيون جهاز خطير يدخل كل بيت و يفعل بنا أكثر من هذا..

هذه العلبة السحرية.. و هذا الإصبع الذي اسمه الريموت كنترول.. تضغط على زرار فتستدعي فرقة راقصة من الفولي برجير تأتي لترقص لك شخصيا.. و تضغط على زرار آخر فتستدعي بها ألفيس بريسلي من قبره ليغني لك روائع أنغامه و ضغطة أخرى و تستدعي بها كوكتيل من الأكاذيب السياسية في أحلى عبوات من الكلام على لسان أكبر الشخصيات العالمية يلبس فيها الباطل ثوب الحق و تختلط المفاهيم و تنقلب المعاني في عقلك و يلقي بك في متاهات من التزييف الحلو الجذاب الناعم و لا تعود تفهم شيئا..

و هذا هو الإعلام الإبليسي في عصرنا و حينما تطفئ تلك العلبة الشيطانية.. تكون قد أصبحت رجلا آخر دون أن تدري..

و هذا هو عصرنا.. و لا أحد محصن.. و لا أحد معفي من هذه المطاردة الخفية لتشكيل أفكاره و زلزلة نفسه و محو قيمه و مثاليته.

و الفضاء حولنا يحتشد بهذه الجيوش غير المنظورة التي تهاجمنا صباح مساء و لكل دولة كبرى مصالح.

و لكل دولة كبرى أغراض.

و لكل دولة كبرى مطالب منك و من بلدك و أطماع فيك و في بلدك.

و صناعة الغيبوبة و غزو العقل و الاستيلاء على الفكر قبل الأرض أصبحت صناعة العصر.. و التحكم عن بعد في الشعوب أصبح لعبة الكبار و الصغار.

هل تجاوزنا السياسة أم أننا لا نزال فيها ؟! بل نحن في قلب (( المطبخ السياسي )) الذي تطبخ فيه توجيهات الشعوب و اهتماماتها و تطبخ فيه مصائرها.

و اقرأ المقال من جديد لتعرف أكثر.

2 التعليقات:

  1. غير معرف25/12/10 13:45

    انها حقيقه بس اذا كان الاعلام هو فى اغلب الامور مصدر لتغيب العقول فكيف نبحث عن المعرفه

    ردحذف
  2. غير معرف15/12/14 19:49

    استفتي قلبك وان افتوك الناس ةافتوك

    ردحذف