الزمن للدكتور مصطفى محمود

نقدم لكم مقال الزمن من كتاب لغز الموت الذى نواصل عرض مقالاته التى تتحدث عن الموت والحياه والحب ويعد كتاب لغز الموت من اروع ما كتب مصطفى محمود

إن دقات ساعة الحائط تقدم لك زمناً
مزيفاً..ابحث عن زمنك الحقيقي في
دقات قلبك .. و نبض إحساسك ..
كل شيء في الدنيا يجري و يلهث ..
الشمس تشرق و تغرب ..
و النجوم تدور في أفلاكها ..
و الأرض تدور حول نفسها ..
و الرياح تهب في الجهات الأربع ..
و السيول تنهمر من أعلى الجبال ..
و الينابيع تتفجر من باطن الأرض ..
و النبات و الحيوان و الإنسان تعيش كلها في حركة دائبة ..
و ذرات الجماد تهرول في مداراتها ..
و ظاهرات الطبيعة كلها عبارة عن حركة .. الكهرباء حركة .. و الصوت حركة و الضوء حركة .. و الحرارة حركة .. و الكون كله يتمدد مثل فقاعة من الصابون و ينفجر في كل قطر من الفضاء ..
المادة في حالة انتشار وذبذبة وحركة ولهذا يقول اينشتين أن لها بعدا رابعا غير الأبعاد الثلاثة المعروفة
.. أو الزمن الملتصق بالمكان ويسميه الزمكان .
المادة مثل حيوان له طول و عرض و سمك و عمر .. و العمر يدخل في تركيبها .. كما يدخل في تركيب الحيوان .. الزمن إحدى الفتلات التي يتألف منها نسيج المادة ..
و هو أيضاً إحدى الفتلات التي يتألف منها نسيج الكائن الحي .
* * *
و لكن ما الزمن .
هل هو دقات ساعة الجامعة .. و النتيجة المعلقة بالحائط و التقويم الفلكي بالفصول و الأيام ..
إننا ما زلنا نذكر كلمات المراقب و نحن نؤدي الامتحان في آخر كل سنة ..
باقي على الزمن نصف ساعة ..
نذكر الرجفة التي كنا نحس بها و نحن ننظر إلى ورقة الإجابة و إلى ورقة الأسئلة .. و إلى الساعة في يد المراقب .. و إلى شفتيه و هما تنطقان ..
باقي على الزمن نصف ساعة ..
كأنه ينطق حكماً بالإعدام .. أو حكماً بالإفراج ..
كأن النصف ساعة عند بعضنا قصيراً جداً .. أقصر من نصف دقيقة .. لأن ورقة الإجابة مازالت بيضاء أمامه .. و لأنه ما زال يبحث .. و يهرش في رأسه .
و كان عند بعضنا الآخر طويلاً مملاً .. أطول من نصف اليوم .. لأنه قد انتهى من الإجابة .
كانت الساعة في يد المراقب تشير إلى زمن واحد .. و لكن كلاً منا له زمن خاص به ..
كأن معيار الدقائق عند كل منا يختلف عن الآخر .
و هذا هو مفتاح اللغز ..
* * *
إن الزمن ليس شيئاً منعزلاً عنا مثل الشجرة و المحبرة و الكتاب .. ليس زمبلكاً تحتويه ساعة اليد .. و لكنه شيء يلابسنا .
لكل منا زمن خاص به .
عواطفنا و اهتماماتنا هي الساعة الحقيقية التي تضبط الزمن و تطيله أو تقصره .
أفراحنا تجعل ساعاتنا لحظات .
و آلامنا تجعل لحظاتنا طويلة مريرة ثقيلة مثل السنين و أطول .
إحساسنا بالسرعة و البطء ليس مصدره ساعة الحائط و لكن مصدره الحقيقي الشعور في داخلنا ..
إن ساعة الحائط تقدم لنا زمناً مزيفاً .. و مثلها التقويم الفلكي الذي يقسم حياتنا إلى أيام و شهور و فصول .
و التاريخ الذي يقسم أعمارنا إلى ماض و حاضر و مستقبل .. لأن حياتنا غير قابلة للقسمة .. و لأن الزمن في داخلنا غير قابل للقسمة أيضاً ..
إن حياتنا لحظة طويلة مستمرة يصاحبها إحساس مستمر بالحضور و نحن نتعرف على الماضي من خلال الحاضر .. فحينما نعيش في إحساس بالتذكر نسميه ماضياً .. و حينما نعيش في إحساس بالتوقع نسميه مستقبلاً .. و لكن كل هذه الإحساسات هي حاضر .
و الفواصل بين الماضي و الحاضر و المستقبل فواصل وهمية لأن اللحظات الثلاث تتداخل بعضها في بعض كما يتداخل الليل و النهار عن الأفق ..
و الذي يقوم بتعيين اللحظة في الشعور هو الانتباه .
الانتباه هو الذي يضع خطاً تحت بعض مشاعرنا و إحساساتنا فيخيل لنا أننا وقفنا لحظة و الحقيقة أنه لا وقوف أبداً .. و إنما نحن نعيش في حالة تدفق داخلي مستمر أبداً و دائماً .
و الزمن الخارجي .. زمن الساعات و المنبهات زمن كاذب خداع لأنه يساوي بين اللحظات و يجعلها مجرد أرقام على مينا ..
الساعة واحدة .. الساعة اتنين .. الساعة تلاتة .. مجرد حركة من العقرب .. و انتقال بضعة سنتيميترات على المينا .. إنه ليس زماناً و لكنه أوضاع مختلفة في المكان .. أما الزمن الحقيقي فهو في داخلنا .. و هو اضطراب دائم لا تتساوى فيه لحظة بأخرى .. لحظة صغيرة .. و لحظة كبيرة .. و لحظة تافهة ..
و هو غير قابل للتكرار .. لأن كل لحظة تحتوي على الماضي كله و معه علاوة من الحاضر .. و في كل لحظة تضاف علاوة جديدة من التجربة و الحياة فلا تعود الحياة قابلة لأي تكرار .. و إنما هي الرؤية ..
بينما يحتاج الذي يشاهدنا من الخارج أن يرى حركات ذراعنا بعينه و يتبعها و يحللها بعقله ليقول أننا نحرك ذراعنا إلى فوق ..
و معرفتنا نحن أرقى من معرفته لأننا نعاين الحقيقة مباشرة .
و بهذه المعرفة اكتشفنا الزمن .. زمننا الحقيقي .
و لكننا لا نعيش حياتنا كلها في الزمن الحقيقي لأننا لا نعيش في نفوسنا كل الوقت .. و إنما نعيش في مجتمع .. نخرج و نختلط بالناس و نتبادل المنفعة و نتعامل و نتكلم و نأخذ و نعطي ..
و لهذا لا نجد مفراً من الخضوع للزمن الآخر .. زمن الساعات .. فنتقيد بالمواعيد و نرتبط بالأمكنة .
و نبحث عن الأشياء المشتركة بيننا لنتفاهم .. و في أثناء بحثنا عن الأشياء المشتركة تضيع منا الأشياء الأصلية .
العرف و التقاليد و الأفكار الجاهزة تطمس الأشياء المبتكرة فينا و تطمس الذات العميقة التي تحتوي على سرنا و حقيقتنا ..
و نمضي في زحام الناس و قد لبسنا لهم نفساً مستعارة من التقاليد و العادات لنعجبهم ..
و تتكون عندنا بمضي الزمن ذات اجتماعية تعيش بأفكار جاهزة و عادات وراثية و رغبات عامة لا شخصية ..
و هذه هي الذات سطحية ثرثارة تقضي وقتها في التعازي و التهاني و المجاملات و المعايدات و السخافات و تنفق حياتها في علاقات سطحية تشبه المواصلات المادية التي توصل من الباب إلى الباب و لا توصل من القلب إلى القلب .
و هذه الذات التافهة هي غير الذات العميقة التي نغوص إليها في ساعات وحدتنا و نكتشف فيها أنفسنا و نتعرف على وجوهنا الحقيقية ..
إنها ذات جامدة مثل الجسد تحكمها الغرائز و الضرورات الاجتماعية ..
و هي تشبه المرحاض النفساني نفرز فيه كسلنا و ضيقنا و مللنا و نقتل فيه وقتنا بانشغالات رخيصة تافهو مثل قزقزة اللب و لعب الطاولة .. و نحن نتأرجح في حياتنا بين هذه الذات السطحية و بين الذات العميقة .. نهبط مرة و نعلو مرة .. نعيش في زمن الساعات لفترة طويلة من يومنا في وظائف و أعمال آلية روتينية .. و نعيش في لحظات قليلة متألقة في داخلنا في زمننا الحقيقي الجياش فنهتز بالنشوة و نشرق بالسعادة و نرتجف بالقلق و نمتلئ بالفضول و اللذة و نعرف نفوسنا على حقيقتها و بكارتها ..
و نحن نكتشف هذه النفوس البكر في مغامرات قليلة ..
نكتشفها لأول مرة في مغامرة الحب حينما نعثر على المرأة التي تهز وجودنا .. و تخترقنا و تخترق عادتنا و تفكيرنا و حياتنا و تقلبها رأساً على عقب .. فتبدو كأنها حياة جديدة عجيبة ..
و نكتشفها لثاني مرة في مغامرة الفن .. في لحظة الإلهام التي ينفتح فيها شعورنا على إدراك جديد و تصوير جديد للدنيا .. فنكتب أو نغني أو نرسم أو نقول شعراً ..
و نكتشفها لثالث مرة في مغامرة التأمل و في الشعور العميق بالتدين .. في لحظة الجلاء الفكري و الصوفي التي نضع فيها على حقيقة جديدة فينا أو في الناس حولنا أو في الدنيا ..

0 التعليقات

إرسال تعليق