المؤامرة

ضحك الشيوعيون على أنفسهم وعلينا حينما ظنوا ان الشيوعية حضارة جديدة تقوم على أنقاض الحضارة الأوربية الراسمالية التى تصدع بنيانها .. وصوروا لأنفسهم ولنا  انهم أنبياء ورسل هذه الحضارة الجديدة الى العالم .. والحقيقة انهم يبيعون لنا نفس البضاعة القديمة تحت إسم جديد .. فما الرأسمالية والشيوعية إلا وجهان لعملة واحدة هى الحضارة المادية التى انجبتها الوثنية الصناعية فى بداية القرن التاسع عشر

إن الوثنية الصناعية هى الحضارة الأم التى أنجبت النظام الرأسمالي كشكل اقتصادي ثم النظام الشيوعى كشكل إقتصادى اخر ليؤدى نفس الهدف وليخدم نفس الغابات وليخلق نفس العقلية .. عقلية إنسان كل همه وإهتمامه إشابع حاجات اللحظة ( فيما يسمونه باسطورة الرخاء فى  النظامين) والسيطرة على البيئة وسيادة الكون وتغيير التاريخ (شعارات يتشدق بها الاثنان) وامتلاك المال والارض والمصنع فى الرأسمالية .. امتلاك الرقاب الذى يمارسه الحزب الشيوعى ( نفس الشيىء واسوا ) 0 وأسطورة القوة المادية ( ممثلة فى الغزو العسكرى الرأسمالى وفى الغزو المذهبى الشيوعى الذى أسفر عن وجهة أخيرا فتحول الى استعمار عسكرى وغزو حربى صريح فى المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان والسلفادور)

بل أن نفس هذه الوثنية المادية قد انجبت الصليبية والصهيونية لتقوم بنفس الدور تحت ستار الدين .. الاستعمار العسكرى والغزو الفكرى والسيطرة بالقوة على مقدرات وثروات الآخرين ..
 
بل انها هى التى تمول وتشجع وتصدر لنا حركات من نفس النوع ظاهرها دينى وحقيقتها سياسية وأهدافها انقلابية مثل التكفير والهجرة فى بلادنا وحركة المهدى المسلحة فى مكة وثورة الخومينى فى ايران ( وقد خطط الخومينى لثورته وهو فى حضانة فرنسا ثم قام بها ونفذها تحت مظلة الحماية الأمريكية فى ايران انها نفس لعبة الأمم التى تلهو بنا كما تلهو بقطع الشطرنج) وقد عادت هذه الأمم فضربت إيران بالعراق لتكسيح الاثنين ..
ومن العجب ان نرى روسيا وأمريكا تعطيان السلاح للاثنين وتحرصان على مد اجل الحرب بينهما كلما بدات تفتر .. نرى هذا بأعيننا ولا تطبق ولا تعتبر

نحن أمام نمط فريد من المكر العالمى يحاول ان يمكر بنا حتى باستخدام شعاراتنا .. شعارات الدين والإسلام .. فيشجعنا عليها بعد تزييفها .. فهذه الأنماط الجديدة من الإسلام الثورى هى نفس الشعارات الوثنية بعد إعادة تعبئتها فى عبوات إسلامية .. إنها نفس الشعارات الاشتراكية التى تحرض الطبقات على بعضها وتتشدق بالرخاء وتثير أحلام السيطرة وتحرك العصبيات وتهيج الطائفية وتولد الحزازات بين الملل ولا تأخذ من الإسلام إلا الطقوس الشكلية والظاهر

ان جميع هذه الانحرافات هى نسخ متعددة مختلفة من اصل واحد وان تسعت أحيانا بالإسلام أحيانا بالصليبية وأحيانا بالرأسمالية وأحيانا بالشيوعية .. أنها هى الوثنية الصناعية المادية التى تحاول ان تجعل من الإنسان عبدا للماكينات والمنتجات الترفية والفاترينة الاستهلاكية .. عبدا لأوهام السيطرة وأحلام القوة .. أسيرا لشهوات البطن والجنس وخادما لرغبات اللحظة .. وقودا للحروب .. مشغولا بالتوافه والخسائس متهالكا على جمع الحطام الفاني .. مشتتا بين الأوهام .. ممزقا بين العصبيات والخلافات حتى ينتهى عمره

أنها جميعا وجوه حضارة واحدة هى الحضارة الوثنية المادية .. وهم قد اختاروا لنا سلفا وأرادو لنا وأرادوا بنا وصنعوا لنا شعاراتنا الجاهزة وصدروا هذه العبوات الفكرية والدينية المعلبة المزيفة .. وخططوا لنا كل البدائل التى أرادونا ان نختارها ..

وفى النهاية طمسوا على إبصارنا بالأعلام الموجه والغزو الفكرى ومدفعية الكتب والصحف والإذاعات والتلفزيون لتظل فى دوامة لا نفيق على حقيقتنا ابدا
وفى نظرهم انه لا يجب ان يخرج تفكيرنا واختيارنا عن قنوات مرسومة .. فنحن إما ان نحذو حذوهم النعل بالنعل فنتقسم الى شيوعى وراسمالى ويمين ويسار ونتقاتل فيما بيننا تحت رايات الرجعية والتقدمية الكاذبة .. ونتلقى عنهم اولا بأول علومهم ومخترعاتهم ونبدأ من حرف الـ أ من حيث انتهوا هم الى حرف الـ ى .. ونظل مقيدين اليهم فى عربة السبنسة وفى الأذيال واما ان نقبل البدائل المزيفة التى يروجونها بيننا باسم الحركات الإسلامية والثورات الإسلامية والجماعات الصليبية ويشجعون عليها بالمال والتأييد والمساندة السياسية .. وما هى من الإسلام أو المسيحية فى شيىء .. بل هى نفس الشعارات الوثنية بطلاء إسلامي أو مسيحى .. وهدفها النهائى تخريب نظمنا وعقولنا واقتلاع الإسلام من جذوره والإساءة الى المسيحية فى جوهرها 0
وكلها محالاوت لابعادنا عن تيار الوعى الحقيقى الذى نملك ينابيعه ..
هى محاولات للقضاء على الحضارة الأخرى الوحيدة المنافسة .. وهى الحضارة الإيمانية العلمية .. التى هى روح الإسلام .. وروح جميع الأديان السماوية

والإنسان لا ينظر لنفسه فى هذه الحضارة باعتباره حلقه ختامية نهائية للحوادث بحيث يحاول ان يستغرق  نفسه بما يجمع وبما يملك وبما يحقق لنفسه فى الدنيا .. وانما هو خلقه وسطى .. والدنيا بأسرها مرحلة تؤدى الى مرحلة .. فهى مزرعة لحياة أخرى تتلوها .. وهى مجرد عبور من حال الى حال .. وهى بروفة وديكور من القماش وعالم من الوهم وامتحان .. يعقبه عالم اخر من الحقائق .. والحياة كدح مستمر الى الله لا ينتهى .. ونحن نمتلك أمامنا كل الزمن وكل الايد وكل الخلود .. ولا داعى لان نتعجل ونضيع أنفسنا فى لعبة السيطرة وأوهام القوة وهموم الرخام والترف وإتخام البطون .. وانما حسبنا كفافنا وقوت يومنا وحسبنا ما يسترنا من ثياب فنحن على سفر ونحن فى قطار ونحن على كوبرى فكيف نتوقف لنبنى على الكوبرى ناطحات سحاب0
ونحن بنسبنا الحقيقى ننتسب الى الله بحكم ما نفخ فينا من روحه واليه مرجعنا ولا معنى لاى عصبيه او عرقية او قومية .. ولا معنى لان يقول كل واحد منا انا .. فتلك جميعها انحرافات عن الطريق وسبل ملتوية جانبية تضيع علينا طاقاتنا  وحياتنا ..
ولن يحفظ علينا حياتنا وقوتنا وطاقتنا سوى ان ننتمى وننتسب من البداية الى الله خالقنا ونمتثل لقانونه وشريعته ونلزم ونجعله همنا ومقصدنا ..

وذلك هو الفكر التوحيدى الذى يجمع شمل النفس وشمل جميع الأنفس وشمل جميع الأمم فى مسيرة واحدة مباركة سبيلها العلم والعمل
ومكارم الأخلاق تقربا الى الله بارىء كل شيىء .. وهى مسيرة لا تتعصب ولا ترفض ولا تخاصم وانما تقبل وترحب بكل مكتسبات الإنسانية عبر تاريخها وتعمل على استثمارها وتنقيتها وتزكيتها لتقدمها كما أرادها الله نورانية صافية .. وهى مسيرة الأبد .. ومسيرة خلود

وتلك هى حضارة أخرى مختلفة تماما عن جميع الأشكال الموجودة للحضارة الوثنية الصناعية .. وهى ليست أبدا ما ترى حولنا فى ثورات إسلامية .. او حركات إسلامية حاقدة مسعورة .. أو جماعات صليبية تنشر الفرقة والعداوات الطائفية .. فتلك وغيرها من انقلابات شيوعية .. وجماعات اشتراكية .. هى بعض ما يخطط لنا .. وبعض ما يصنع لنا فى الخارج من أفكار معلبة .. ومؤمرات محبوكة .. وهى جزء من خطط التعمية وطمس البصائر وإغراق المنطقة فى ضباب التضليل وفى ضوضاء الدعايات والشعارات المتصلة .. حتى لا تفيق أبدا على ينابيع النور التى فى أيديها ..

فهل نفيق على حقيقتنا وهل نمسك بأول الخيط .. وهل ندرك عمرنا الحقيقى بطول الأزل والأبد وبعمق الخلود وبامتداد الكون كله المرئى منه والخفى وهل ندرك نسبنا الشريف العظيم الى الله بارتنا بحكم استعدادنا للروح منه ورجعتنا اليه
وهل ندرك معنى الآية القرآنية العظيمة ..
” يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه

بقلم دكتور مصطفى محمود
17-2-1982
المصدر موقع جمعية مسجد محمود

0 التعليقات

إرسال تعليق